فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبدًا لوداده حصد من قلبه شوك الشرك، وطهره من أوساخ الرياء والشك ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة، ويرزقه الخوف والإخلاص، فيستوي ظاهره وباطنه في التقى، ثم يلقي فيه بذر الهدى، فيثمر المحبة (قلت وفي الحديث القدسي عند البخاري (( ... فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَقَدَمَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)

فيسكن لُب القلب،، فيسري من بركاتها إلى العين ما يفُضها عن سوى المحبوب، وإلى الكف ما يكُفها عن المطلوب، وإلى اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام، وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام. (قلت انا كاتب الاسطر وصف أحد فرسان الأدب بقوله: شباب والله مكتهلون بشبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلةٌ عن الباطل أرجلهم، أنضاءُ عبادةٍ وأطلاحُ سَهَر، نظر اللَّه إليهم في جوف الليل منحنيةً أصلابهم على أجزاء القرآن الكريم، كلَّما مر أحدُهم بآيةٍ من ذكرالجنّة بكى شوقًا إليها، وإذا مَرّ بآية من ذكر النار شَهِقَ شَهقة كأنّ زفير جهنّم بين أذنيه، موصولٌ كَلاَلهم بكلالهم [أي تعب النهار بتعب الليل] كَلالُ الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرضُ رُكَبَهم وأيديَهم، وأنوفَهم وجباهَهم، واستقلّوا ذلك في جنْب اللَّه، هؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه صلتهم بالقرآن الكريم، تعظيم له، واتباع صادق)

فما زالت تلك النفس الطاهرة رائضُها العلم، ونديمها الحلم، وسجنها الخوف، وميدانها الرجاء، وبُستانها الخلوة، وكنزها القناعة، وبضاعتها اليقين، ومركبها الزهد، وطعامها الفكر، وحُلواها الأنس، وهي مشغولة بتوطئة رحلها لرحيلها، وعينُ أملها ناظرة إلى سبيلها.

فإن صعد حافظها فالصحيفة نقية، وإن جاء البلاء فالنفس صابرة تقية، وإن أقبل الموت وجدها من الغش خلية؛ فيا طوبى لها إذا نُوديت يوم القيامة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:27 - 28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت