هل كان على الأنبياء أن يعلموا الناس وجود الخالق !
وليس خافيًا أن المشركين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يخالفون من يقول ذلك ، بل قد أقروا أن الله خالق كل شيء { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } .
والأنبياء ما جعلوا أول دعوتهم إلى الإيمان أن الكون مخلوق وأن الله خالقه ، فإن هذا شيء فطر الله الناس على معرفته ، ولو فرضنا أن ربوبية الله لم تكن أمرًا فطريًا عند المشركين لقالوا للأنبياء عند قولهم { اعْبُدُوا اللَّهَ } نحن لا نعرفه أصلًا ولا نعتقد بوجوده فكيف تأمروننا بعبادة من لا نعترف بوجوده أصلًا ؟
وبما أنهم لم ينازعوا في ذلك اللهم إلا فرعون الذي قال له موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } عُلِمَ حينئذ أن معرفة ربوبية الله معرفة فطرية لم يأت البشر من أجلها ، وهذا ما أكدته الآيات القرآنية { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ لقمان 25 - الزمر 38 ] . قالها المشركون وأقروا بها ولم يصيروا بها موحدين .
قال تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } قال ابن عباس"من إيمانهم أنه إذا قيل لهم من خلق السموات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال ؟ قالوا: الله . وهم به مشركون" [1] . فأثبت الله لهم إيمانًا ولكن لا نفع فيه ، لأنهم ما اكتسبوه بعملهم وإنما هو إيمان فطري .
وإذا جاز أن يكون عند العبد شيء من إيمان ولكن لا ينفعه ، فكذلك جاز أن يكون عنده بعض التوحيد ( الربوبية الفطري ) لا يكمل به التوحيد ولا ينفع إلا باتصاله بتوحيد ( الألوهية الكسبي ) .
قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } ثم شهد على من أشرك منهم أنهم يعلمون توحيد الله في الخلق والرزق فقال { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } عن ابن عباس في تفسير هذه الآية"أي أشباهًا" [2] . وقال في قوله تعالى { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } "أي كما لا شريك لي في خلقكم وفى رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم ونعمتي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة وأخلصوا إلي العبادة ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم مني... ولا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره" [3] .
ومن هنا قرر الطبري أن العرب"كانت تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته فقال جل ثناؤه { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } وقال { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } [4] ."
السيوطي يصرح بالحقيقة التالية
قال السيوطي"ولم يكن كفرهم [ أي المشركون ] إنكارًا للصانع ولألوهيته ، ولا ادعوا في الأصنام أنها تخلق وتدبر ، بل كانوا يقرون لله بالإلهية وأنه الخالق المدبر كما قال تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } وكانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا"
(1) فتح الباري 13/495 وحسن الحافظ ابن حجر إسناده .
(2) فالشرك تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص ألوهيته من ملك الضر والنفع . فأنتم مشبهة مجسمة تلبسوننا ثوبًا أنتم تلبسونه .
(3) تفسير ابن جرير الطبري 1: 127 .
(4) تفسير ابن جرير الطبري 1: 127 .