كان إسماعيل متعلمًا ذكيًا فنانًا ذا مشرب أوربي فهو أول من درس وعاش في أوروبا من أسرة محمد علي مما أثر فيه وجعله يدخل النظام الدستوري بعد أن تولى الحكم في مصر ويشهد له التاريخ بأنه حاول أن ينقل البلاد من عصور الظلمة إلى حياة التمدن والنور، وفي مجمل حياته وسلوكه كان قد وقع تحت التأثير الأوربي، فبنى القصور وأنشأ الحدائق العامة والخاصة وافتتح الملاهي وأقام الحفلات والرحلات وهو الذي لم تعرف أهواؤه حدودًا أو قيودًا ولذلك كله أخذ يلتمس المال ليغطي هذه النفقات التي لم يعد أي منها بالنفع والفائدة على الفلاح المصري.
وبتشجيع منه وعلى مسمعه ومرآه تزايدت زحوف الأوربيين إلى مصر يجتازون البحر بما يشبه الغزو الاقتصادي ينشدون المال والثروة والعمل وتزداد الصورة أكثر وضوحًا إذا عرفنا أن الثورة الصناعية في أوربا كانت قد استكملت شروطها وأخذت تقذف العمال العاطلين والمنتجات الفائضة لديها على بقية بلدان العالم. إن هؤلاء الزاحفين ليعتصروا قلب الفلاح المصري ويرشفوا دماءه كانوا لا يدفعون الضرائب على بضائعهم وكانت رؤوس أموالهم تدخل إلى مصر دون قيد أو شرط، ولم تكفهم هذه التسهيلات فقد قاموا بأكبر عمليات التهريب إلى السواحل المصرية من بضائع ومخدرات وخمور.
وكي يغطي نفقاته المتزايدة اضطر إسماعيل للاستدانة من أوربا بالإضافة إلى الضرائب التي فرضها والتي استخدم في جبايتها من القهر ووسائط من الإذلال تفوق وصف المؤرخين كان السوط والكرباج والجلد والنفي أبسطها على الإطلاق، لقد كانت مشاريعه أكبر من أن تحتملها مصر آنذاك، وكانت نفقات القصر ونفقات الدولة شيئًا واحدًا ولم تكن مصاريف الخديوي بأقل من مصاريف الدولة بكثير لذلك كان لزامًا أن ينهار اقتصادها بين يدي إسماعيل ويهوي بكامله في فترة حكمه، فانتشر الاستياء الشعبي في الداخل والخارج واتجهت أنظار الناس إلى تشكيل جمعيات سرية تقاوم الاستبداد والطغيان.