يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ"أي: حُثَّهم واستنهِضْهم إليه بكل ما يُقَوِّي عزائمهم، ويُنشط هممَهم، من الترغيبِ في الجهاد، ومقارعةِ الأعداء، والترهيبِ من ضدِّ ذلك، وذكرِ فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خيرٍ في الدنيا والآخرة، وذكرِ مضارِّ الجُبْن، وأنه من الأخلاق الرذيلة، المنقِصة للدين والمُروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين، أولى من: غيرهم ...
وقال ابن عطية رحمه الله
قوله (حَرِّضِ) معناه حُثَّهم وحُضَّهم ... قال النقاش وقُرئت (حرص) بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء ... وقالت فرقة من المفسرين المعنى حرض على القتال حتى يَبِينَ لك فيمن تركه أنَّه حرض ... قال القاضي أبو محمد وهذا قول غير مُلتئم ولا لازم من اللفظ ونحا إليه الزجاج ... والقتال مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية وإنما تضمنت هذه الآية أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريضهم على أمر قد وجب عليهم من غير هذا الموضع.
قلت: يعني قوله عز وجل: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)
وقال أبو السعود رحمه الله:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) بعدما بيَّن كفايته تعالاياهم بالنصر والإمداد بقوله_ يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَمَر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بترتيب مبادي نصره وإمداده وتكرير الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن المأمور به قال: (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) أي بالغ في حثهم عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة التي أعظمها تذكير وعده تعالى بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصل التحريض الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت وقال الراغب كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به قلت فالأوجه حينئذ أن يجعل الحرض عبارة عن ضعف القلب الذي هو من باب نهك المرض وقيل معنى تحريضهم تسميتهم حرضا بأن يقال إني أراك في هذا الأمر حرضا أي محرضا فيه لتهيجه إلى الإقدام وقرئ حرص بالصاد المهملة وهو واضح. اهـ.
3* (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 70 +71)