الصفحة 25 من 114

جنب سراج لم يطفئه من سكينته, ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه, أبعثه مبشرًا ونذيرًا لا يقول الخنا, أفتح به أعينًا كمهًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا, أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم, وأجعل السكينة لباسه, والبر شعاره, والتقوى ضميره, والحكمة منطقه, والصدق والوفاء طبيعته, والعفو والمعروف خلقه, والحق شريعته, والعدل سيرته والهدى إمامه, والإسلام ملته, وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلال, وأعلم به بعد الجهالة, وأرفع به بعد الخمالة, وأعرف به بعد النكرة, وأكثر به بعد القلة, وأغني به بعد العيلة, وأجمع به بعد الفرقة, وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة, وأهواء متشتتة, وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمة من الهلكة, وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي, ألهمهم التسبيح والتحميد, والثناء والتكبير والتوحيد, في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قيامًا وقعودًا ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا, ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفًا, يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب في الأنصاف, قربانهم دماؤهم, وأناجيلهم في صدورهم, رهبان بالليل ليوث بالنهار, وأجعل في أهل بيته, وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين, أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون, وأعز من نصرهم وأؤيد من دعا لهم, وأجعل دائرة السوء على من خالفهم, أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم, أجعلهم ورثة لنبيهم, والدعاة إلى ربهم, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم, ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني رحمه الله.

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد الرحمن بن صالح, حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن شيبان النحوي, أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} وقد كان أمَر - صلى الله عليه وسلم - عليًا ومعاذًا رضي الله عنهما أن يسيرا إلى اليمن فقال «انطلقا فبشِّرا ولا تنفِّرا, ويسِّرا ولا تعسِّرا, إنه قد أنزل علي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} » ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي, عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي, عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي بإسناده مثله, وقال في آخره «فإنه قد أنزل علي يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا على أمتك وَمُبَشِّرًا بالجنة وَنَذِيرًا من النار وَدَاعِيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا بالقرآن» .

فقوله تعالى: {شَاهِدًا} أي لله بالوحدانية, وأنه لا إله غيره؛ وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا) (النساء: 41 ) ) كقوله تعالى: {لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143) } .

وقوله عز وجل: {وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} أي بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب, ونذيرًا للكافرين من وبيل العقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت