أما هذه النكتة فهي أن الشرع عندما يأمر بعبادة من العبادات فإنه إنما يأمر بها المسلم من أجل أن يجني منها الثوابَ والأجرَ، فإن قام المسلمٌ بارتكاب معصيةٍ في أثناء هذه العبادة، فإنه بذلك يكون قد خرق القصد من عبادته، ولم يتنبه للغايةِ منها، وهو بدلًا من أن يَجْني ثواب العبادة وأجرَها يقوم بجني الآثام والسيئات، فيلغي بفعله هذا القصد من العبادة، ولذا جاء النص الشرعي يحذر المسلم من أن يحصد إثمًا ومعصية في موسم حصاد الأجر والثواب، ليبقى موسمُ الأجرِ والثوابِ موسمَ أجرٍ وثوابٍ فحسب. أ. هـ
س: هل يفسد الصيام ان يغتسل الصائم او يدخل الحمام؟
الجواب:
اغتسال الصّائم، لا يكره، ولا بأس به حتّى للتّبرّد، عند الحنفيّة وذلك لما روي عن عائشة وأمّ سلمة رضي الله تعالى عنهما قالتا: «نشهد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنبًا، من غير احتلام، ثمّ يغتسل ثمّ يصوم» . ... [(أخرجه أبو داود - قال الألباني: صحيح]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه دخل الحمّام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان.
وبوب البخاري في كتاب الصوم
بَاب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ .... الخ
قال أَنَسَ بْن مَالِك"إِنْ لِي أَبْزَن إِذَا وَجَدْت الْحَرَّ تَقَحَّمْت فِيهِ وَأَنَا صَائِم"وَكَأَنَّ الْأَبْزَنَ كَانَ مَلْآنَ مَاء فَكَانَ أَنَس إِذَا وَجَدَ الْحَرَّ دَخَلَ فِيهِ يَتَبَرَّدُ بِذَلِكَ.
الْأَبْزَنُ: حَجَرٌ مَنْقُور شَبَه الْحَوْض. (يشبه البانيو في زماننا)
قال ابن حجر في الشرح:
َقوْلُهُ: (بَابٌ اِغْتِسَالُ الصَّائِمِ) أَيْ بَيَانُ جَوَازِهِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: أَطْلَقَ الِاغْتِسَالَ لِيَشْمَل الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ وَالْوَاجِبَة وَالْمُبَاحَة , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضَعْف مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ النَّهْي عَنْ دُخُول الصَّائِمِ الْحَمَّامَ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , وَاعْتَمَدَهُ الْحَنَفِيَّة فَكَرِهُوا الِاغْتِسَال لِلصَّائِمِ.
قَوْله: (وَبَلَّ اِبْن عُمَر ثَوْبًا فألقاه عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِم) وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ بَلَلَ الثَّوْب إِذَا طَالَتْ إِقَامَتُهُ عَلَى الْجَسَدِ حَتَّى جَفَّ يَنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الدَّلْك بِالْمَاءِ , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِأَثَرِ اِبْن عُمَر هَذَا مُعَارَضَةَ مَا جَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِأَقْوَى مِنْهُ , فَإِنَّ وَكِيعًا رَوَى عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح عَنْ مُغِيرَةَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه لِلصَّائِمِ بَلَّ الثِّيَابِ. قَوْله: (وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِم) وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. أ. هـ
ولا بأس أن يصبّ الصائم الماء على رأسه من الحرّ والعطش، لما روي عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالعرج، يصبّ الماء على رأسه وهو صائم، من العطش، أو من الحرّ» . ... [أخرجه ابو داود - قال الالبانى: صحيح]
س: هل يفسد صيام من أصبح جنبا من جماع قبل الفجر أو من احتلم في نهار رمضان؟
الجواب:
فى الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" [مسلم - كتاب الصيام - بَاب صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ]
أخرج الترمذي عن عائشة وأم سلمة زوجا النبي صلى الله عليه وسلم:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل فيصوم" [قال الألباني: صحيح، ابن ماجة (1703) ]
قال أبو عيسى حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحق وقد قال قوم من التابعين إذا أصبح جنبا يقضي ذلك اليوم والقول الأول أصح.
قال الشّوكانيّ: وإليه ذهب الجمهور، وجزم النّوويّ بأنّه استقرّ الإجماع على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: إنّه صار إجماعًا أو كالإجماع.