أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الرِّيَاءُ كَمَا يُمْكِنُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ وَحَالُ الْمُمْسِكِ شِبَعًا أَوْ فَاقَةً كَحَالِ الْمُمْسِكِ تَقَرُّبًا وَإِنَّمَا الْقَصْدُ وَمَا يُبْطِنُهُ الْقَلْبُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ أَعْمَالٌ بَدَنِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ فَلِذَلِكَ خَصَّ الصَّوْمَ بِمَا ذَكَرَهُ دُونَهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ.
ثَانِيهَا: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ حِكَايَتِهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَازِرِيِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنَا أَتَوَلَّى جَزَاءَهُ إذْ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ إذْ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِيَّةٌ وَإِمْسَاكٌ فَأَنَا أُجَازِي بِهِ مِنْ التَّضْعِيفِ فِي جَزَائِهِ عَلَى مَا أُحِبُّ وَقَال الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وَقِيلَ:"لِي"أَيُّ الْمُنْفَرِدِ يَعْلَمُ مِقْدَارَ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفَ حَسَنَاتِهِ كَمَا قَالَ {وَأَنَا أَجْزِي بِهِ} قَالَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ اطَّلَعْت عَلَى مَقَادِيرِ أُجُورِهَا كَمَا قَالَ:"كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".... الْحَدِيثَ، وَالصَّوْمُ مَوْكُولٌ إلَى سَعَةِ جُودِهِ وَغَيْبِ عِلْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:"إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
ثَالِثُهَا: قَالَ الْقَاضِي أَيْضًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ (لِي) أَيْ لَيْسَ لِلصَّائِمِ فِيهِ حَظٌّ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، فَاسْتَثْنَى الصِّيَامَ مِنْ كَوْنِ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ.
رابعها: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى إضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الصَّائِمَ عَلَى صِفَةِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهَوَاتِ. أ. هـ
قال ابن حجر في فتح الباري ما ملخصه:
قَوْله: (الصِّيَام جُنَّة) وفى روايه"جُنَّة مِنْ النَّار"
وَمِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص"الصِّيَام جُنَّة كَجُنَّةِ أَحَدكُمْ مِنْ الْقِتَال"وَلِأَحْمَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة"جُنَّة وَحِصْن حَصِين مِنْ النَّار"
وَمِنْ حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاح"الصِّيَام جُنَّة مَا لَمْ يَخْرِقهَا"
وَالْجُنَّة: بِضَمِّ الْجِيم الْوِقَايَة وَالسَّتْر. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَات مُتَعَلَّق هَذَا السَّتْر وَأَنَّهُ مِنْ النَّار , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ.
وَأَمَّا صَاحِب"النِّهَايَة"فَقَالَ: مَعْنَى كَوْنه جُنَّة أَيْ يَقِي صَاحِبه مَا يُؤْذِيه مِنْ الشَّهَوَات.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: جُنَّة أَيْ سُتْرَة , يَعْنِي بِحَسَبِ مَشْرُوعِيَّته , فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُفْسِدهُ وَيَنْقُص ثَوَابه , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ"فَإِذَا كَانَ يَوْم صَوْم أَحَدكُمْ فَلَا يَرْفُث إِلَخْ".
وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ فَائِدَته وَهُوَ إِضْعَاف شَهَوَات النَّفْس , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ"يَدَع شَهْوَته إِلَخْ".
وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ مَا يَحْصُل مِنْ الثَّوَاب وَتَضْعِيف الْحَسَنَات.
وَقَالَ عِيَاض فِي"الْإِكْمَال": مَعْنَاهُ سُتْرَة مِنْ الْآثَام أَوْ مِنْ النَّار أَوْ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيّ.
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: إِنَّمَا كَانَ الصَّوْم جُنَّة مِنْ النَّار لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الشَّهَوَات , وَالنَّار مَحْفُوفَة بِالشَّهَوَاتِ. فَالْحَاصِل أَنَّهُ إِذَا كَفّ نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنْ النَّار فِي الْآخِرَة.
وَأَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى تَرْجِيح الصِّيَام عَلَى غَيْره مِنْ الْعِبَادَات فَقَالَ: حَسْبك بِكَوْنِ الصِّيَام جُنَّة مِنْ النَّار فَضْلًا. أ. هـ
س: ما هو حكم الصيام؟
الجواب: