فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 43

إنَّ ما أدهشني العقول التي لا عِقال لها، وألسنةُ أهل ضِياعِنا التي ما إن (يدق الكوز بالجرّة) حتى يُحَلّ لِجامُها فتنطلق بثرثرات وتلافيق رخيصة لا يبرأ منها بعض ضحايا. فهل تكفّ الصنابير المفتوحة من غَمْر الدّلاء بما لا طاقةَ لها به من ماء؟!

بموت (أبو البدر) قد يحدث هذا. فقد حضرَ الطبيب الشرعي صباحًا. وعُلِمَ أثناء ذلك أنّ هجومًا نسائيًا شنّتْهُ كنّات (المغدور) على أم عتاب وبَنَاتها، تبادلَ فيه الطرفان شدّ الشعر وشق الملابس والرّجم بكِعاب (الفلّين) المضغوط وما خَفَّ من أثاث البيت. والسبب اتّهام العائلة للكنّات بقتل حميهِنَّ عَمْدًا.

وفي محلٍّ آخر اشتبكَ (بدر) و (مدين) في مُلاسنة كلاميّة مقذعة لم تُعرف تطوّراتها بعد.

فيما انهالَ (أبو علي جحجاح) بالضرب على زوجته لتسريبها أنباء شكوكه في (غريب بن لطف الله) لِلجوار. أما (لطف الله) نفسهُ فقد سبَّ ولدَهُ ونَعَتَهُ بأشنع النّعوت للوليمة التي أَوْلَمَها أصدقاءهُ شماتةً برجل ميّت.

أخيرًا… أعلنَ الطبيب الشرعي نتيجة الفحص.

وحينَ بلغَ العراك النسائي أشدَّهُ، وبرقعت الدماء الأرض… اقتحمت جمهرةُ نساء بيت أبي العتاب وصرخت أكبرهُنَّ سنًّا برجاء حارّ:

-حرام عليكُنّ،… توَقّفنَ حُبًّا بالله… يا جماعة.. المرحوم"مات مَوْتة ربُّه… مَوْتة ربُّه ولا شيء آخر…".

بعض الأمور هكذا يا أصدقاء، كصنابير مفتوحة أصابَ مغالقَها عطبٌ فجائيّ… فاسترسلَ الماء في السّكْب… وامتلأت الدِّلاء، فحدثَ غَمر..، فَغَرَق، فطوفان…

فاحذر تلكَ الصنابير، وإلاّ رُحتَ في الطّوفة.

لو لم تكن قدماي تؤلمانني

صورة أبي منصوبة على الحائط

وجه نصف جانبي. شعر مفروق بعناية، ممسد بالزيت، نظارة دائرية مضحكة تتكئ على أرنبة أنف ناتئة.

جفنان يتهدلان على عينين ناعستين.

سترة رماديّة من الكتان، تحتها صدرية زرقاء مزرورة بأناقة، تبرز من قبّتها ربطة عنق مقلّمة.

الكف اليسرى استراحت على الخاصرة، واليمنى احتجزت بين الفكين غليونًا مبتذلًا.

الصورة إجمالًا مبتذلة، بهذا أُفكر وأنا ممدّد على القطن المنضدّ فوق حصير متآكل كقط رعديد انتبذَ ركنًا قذرًا في منجاة عن لؤم وخسّة مطارديه.

من خمسة عشرَ عامًا والصورة تفتح شبابيك أمل كاذب في حلكة الليالي البائسة. تضرب مواعيد مخلوفة لعودة مغترب يدعى أبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت