بهيرة أيضًا نسيت والدنا وعجّلَ برعمها بالتفتّح لا لُتعشق أو تُحبّ، بل لتعارك وأمّنا ويلات الزمن. وقفت مرّةً أمام مرآة -عفو الخاطر- تلمّست بغرابة وخوف ربوتْين نفرتا في صدرها… وشعر انسابَ كستار مخمل على ظهر صقيل وسواعد مكتنزة، لمعت مفارقهُ كأنَّ يَدَ نبي مسحت عليها… انشدهت (بهيرة) ، شهقت بحياء واستنكار كأنّما عُرّيت أمام أشهاد. جزّت شعرها بقسوة كمن يسلخ جلد ماعز…، انسكبت الخصلات على الأرض أفاعٍ صريعة وصارَ لبهيرة شكل صبي. قمطت رأسها بمنديل عقدت أطرافه على جبهتها كفلاّحة مخضرمة أو كواحدة من (أخوات الرجال) … شقّت فستانها المخصور، خاطت منهُ خرقًا للاستعمال البيتي. وكأنّ إبليسًا سطا على روحها هرعت إلى صندوق الملابس، لبست ثوبًا فضفاضًا لأمنا، فهدّأ روعَها غياب نحالة الخصر وملامح التكوّر والبروز.
من اليوم الذي اعتقلت فيه بهيرة أُنوثتها وحزنٌ مرير يعايشني.. أكبر فيكبر معي، ويُنضج وعيي قبل الأوان.
الفرشة العفنة التي بَقَرَتَها بهيرة بسكين كالخنجر يخيفُني لمسُها، تندلق أحشاؤها على الحصير كتلًا من قطن مُصفَرّ لهُ رائحة الصّدأ والحديد المحروق.
أتمدد على الحشوة كهرّ استمرأ العطالة والزوايا التالفة.
في انتظار أن تحشو بهيرة الفرشة وتخيطُها ثانيةً أستمتع بحريّة واسترخاء لكامل جسمي وعضلاتي فلا شريك لي بفراشي اليوم.
غضبُ أمّي يباغت فرحتي فتجفل وتنطمس تحت سقف من القلق يحتكر الشعور والقلب الواجف. ها هيَ أمي تدخل الدار، تلقي أحمالًا عن ظهرها. ألمحُ في إثرها بهيرة برأس مقموط وسواعد مشمّرة…، فرغت أمي من حلب البقرة التي نضبَ ضِرعُها وإطعام العجل الذي لا يأتي على علف حتى يخور مطالبًا بأحسن منهُ.