فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 9

والمقصود أن مَنْ طال فكره في نعيم الجنة وسرورها وما أعدَّه الله فيها من النعيم المقيم الموعود لأهل الجِنان دعاه ذلك إلى حسن العمل.

فيا عجبًا لمَنْ يؤمن بدار الحياة التي لا موت فيها ولا سقم، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، كيف لا يطلبها؟ والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش لكان جديرًا بأن يهجر الدنيا بسببها، فكيف وأهلها ملوك آمنون، وفي الفرح والسرور يتمتعون، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وهم فيها خالدون، وعلى الدوام بين أصناف النعيم يترددون، ومن زوالها آمنون، ففي الحديث: {ينادي مناد أهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا} [رواه مسلم] ، فالنعيم الصافي لا مطمع فيه إلا في الجنة.

أما الدنيا فأحلام مشوبة بالنغص، إن ضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرَّت يومًا أحزنت أيامًا، وآلامها تزيد على لذَّاتها، أول نعيمها مخاوف وآخره متالف.

لكن نعيم الجنة لا يقدَّر بقدر. ولا يخطر على بال، وكيف يُقدَّر قَدْر دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهَّرها من كل عيب وآفة ونقص، وقد أخبرنا ربنا في كتابه الكريم عما أعدَّه لعباده المترفين في جنَّات النعيم من أصناف المطاعم والمناكح والمساكن والملابس، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا، وحريرًا وفضة وذهبًا وفاكهة وحورًا وأنهارًا وقصورًا، وليس بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا إلا التوافق في الأسماء، وكل ما ورد من أخبار عما في دار القرار في جوار رب العالمين يخالف ما هو موجود في هذه الدار كيفيةً وماهيةً مع اتفاقهما في الإسم واختلافهما في الحقائق والطعوم والروائح، فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت