2 - (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ *) (البقرة: 204 - 206) .
قال البغوي رحمه الله
قوله تعالى:"ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا"قال الكلبي و مقاتل و عطاء: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه أُبَيّ، وسمي الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: وكان رجلًا حلو الكلام، حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول إني لأحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدني مجلسه فنزل قوله تعالى"ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا"أي تستحسنه ويعظم في قلبك، ويقال في الاستحسان أعجبني كذا وفي الكراهية والإنكار عجبت من كذا ..."ويشهد الله على ما في قلبه"يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب ..."وهو ألد الخصام"أي شديد الخصومة، يقال لددت يا هذا وأنت تلد لدًا ولدادة، فإذا أردت أنه غلب على خصمه قلت: لده يلده لدًا، يقال: رجل ألد وامرأة لداء وقوم لد، قال الله تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) (مريم: 97) قال الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، وتأويله: أنه في وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب، والخصام مصدر خاصمه خصامًا ومخاصمة قاله أبو عبيدة. وقال الزجاج: هو جمع خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور قال الحسن: ألد الخصام أي كاذب القول، قال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم"
"وإذا تولى"أي أدبر وأعرض عنك .."سعى في الأرض"أي عمل فيها، وقيل: سار فيها ومشى"ليفسد فيها"قال ابن جريج قطع الرحم وسفك دماء المسلمين ..."ويهلك الحرث والنسل"وذلك أن الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلًا فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم. قال مقاتل: خرج إلى الطائف مقتضيًا مالًا له على غريم فأحرق له كدسًا وعقر له أتانًا، والنسل: نسل كل دابة والناس منهم، وقال الضحاك:"وإذا تولى"أي ملك الأمر وصار واليًا"سعى في الأرض"قال مجاهد: في قوله عز وجل"وإذا تولى سعى في الأرض"قال إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم أمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل"والله لا يحب الفساد"أي لا يرضى بالفساد، قال سعيد بن المسيب: قطع الدرهم من الفساد في الأرض.
قوله"وإذا قيل له اتق الله"أي خف الله"أخذته العزة بالإثم"أي حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، وقيل معناه"أخذته العزة"للإثم الذي في قلبه، فأقام الباء مقام اللام.