الصفحة 59 من 119

همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال (إذ نادى ربه نداءً خفيًا) (مريم 3) .

(إنه لا يحب المعتدين) قيل: المعتدين في الدعاء. وقال أبو مجلز هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام ...

أخبرنا محمد بن عبد العزيز القاشاني، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أنبأنا الجريري، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ من النار، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء". وقيل: أراد به الاعتداء بالجهر والصياح ...

قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح. وروينا عن أبي موسى قال لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -": اربعوا على أتفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا".

وقال عطية هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل، فيقولون: اللهم أخزهم اللهم العنهم.

وقوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) ، أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي.

قال عطية: لا تعصوا في الأرض فيُمسك اللهُ المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. فعلى هذا معنى قوله: (بعد إصلاحها) أي بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب. (وادعوه خوفًا وطمعًا) أي خوفًا مما عنده من أليم عذابه، وطمعًا فيما عنده من مغفرته وثوابه ... وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل.

(إن رحمة الله قريب من المحسنين) ولم يقل قريبة، قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنىدون اللفظ كقوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) (النساء 8) ولم يقل منها لأنه أراد الميراث والمال. وقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد فيهما في اللغة: المذكر والمؤنث والواحد والجمع. قال أبو عمر بن العلاء: القريب في اللغة يكون بمعنى القرب وبمعنى المسافة، تقول العرب: هذه امرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة ....

وقال السعدي رحمه الله:

ولما ذكر من عظمته وجلاله، ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها بقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54) أمر بما يترتب على ذلك فقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت