يقول تعالى ـ منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات ـ (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) من أنواع اللباس، على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل، ومشرب، بجميع أنواعه، أي: مَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله على العباد، ومَن ذا الذي يُضيِّق عليهم، ما وسَّعه الله؟ وهذا التوسيع من الله لعباده، بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) أي: لا تبعة عليهم فيها. ومفهوم الآية، أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها، وعلى التنعم بها، ويسأل عن النعيم يوم القيامة. (كذلك نفصل الآيات) أي: نوضحها ونبينها (لقوم يعلمون) لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها ....
وقال الشوكاني رحمه الله:
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) ، الطيبات: هي المستلذات مما أحله الله لعباده، نهى الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئًا منها، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقربًا إليه، وأنه من الزهد في الدنيا لرفع النفس عن شهواتها، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئًا مما أحله لهم كما يقع من كثير من العوام من قولهم: حرام علي وحرمته على نفسي ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني.
وقوله: (ولا تعتدوا) أي لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم: أي تترخصوا فتحللوا حرامًا كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحل الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما: إن من حرم شيئًا صار محرمًا عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة ...
وقوله: (إن الله لا يحب المعتدين) تعليل لما قبله، وظاهره إنه تحريم كل اعتداء: أي مجاوزة لما شرعه الله في كل أمر من الأمور.
وقوله: (وكلوا مما رزقكم الله) حال كونه (حلالًا طيبًا) أي غير محرم ولا مستقذر، أو أكلًا حلالًا طيبًا، أو كلوا حلالًا طيبًا مما رزقكم الله، ثم وصاهم الله سبحانه بالتقوى فقال: (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني". وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية."