وهذا هو السبَبِ الأساسيّ لافتنان الأخلافِ بساداتهم الأوّلينَ وكبراءهم الذينَ أضَلّوا السَّبيلَ، وأفسدوا عليهم الفهمَ الصَّحيحَ. ذلك أنّ إفراطَهُمْ في تعظيم شيوخم هو المصيبةُ الكبرى لِهؤلاء الأخلافِ. لأنّ شدّةَ اعتقادَهم في أسلافِهم وصلَ بهم إلى درجةٍ من اليقينِ المؤكَّد في كمالِهم حتّى آمنوا بِأنّه يستحيل عليهم الوقوع في الخطأ اطلاقًا. ولهذا يقدِّسونَ شيوخَهم، وينقادونَ إليهم في كُلِّ ما قد وَرَدَ عنهم من أراجيفِ عَبَدَةِ الأوثانِ، وقد يزيدونَ عليها ما تهوي إليهِ نفوسُهم مِنْ كُلِّ بدعَةٍ وهرطَقَةٍ. فَيَتَنَاقَلُهَا جيِلٌ عن جيلٍ. كما أنَّ غالِبَ الناسِ مِمَّنْ هُوَ أعمىَ قلبًا منهم، مُغْتَرّونَ بهم اليومَ. وقد دأبوا لأنفُسِهم أورادًا وأذكارًا ومناسِكَ، أخذوا جُزئِياتِها من الإسلامِ، فركّبوا منها أشكالًا غريبةً، وسَمّوها بأسماءَ مزيجةٍ بالفارسيةِ، مثل:» خَتمِ خواجكان، و هُوشْ دَردَم، و سَفَرْ دَرْ وَطَنْ، و خَلْوَتْ دَرْ أنْجُمَنْ، و يَادْكَردْ، و بَازْكَشْتْ و نِكَاه دَاشتْ، و يَادْ دَاشْت ... «وغير ذلك. وقد اختلقوا صِيَغًا غريبةً من الدعاءِ والمديحِ يُرَدِّدونَها ويؤَلِّهونَ بِها غير اللهِ، ويبالِغونَ بِها في مدائِحِ ساداتِهم كقولِهم:» قطب العارفين، وغوث الواصلين، وإمام المتّقين، وتاج الكاملين، ونور السماوات والأرضين ... «! وعندما يذكرونَ اسمًا من أسماءِ ساداتِهم، يُعَظِّمونَهُ بِدُعاءٍ غريِبٍ. يبدو من هذا الدّعاءِ أنّهم لا يرونه في حاجةٍ إلى رحمة الله، بل يرونه عنيًّا عنها، فيقولونَ:» قَدّسَ اللهُ سِرَّهُ العزيز «أو» قَدَّسَ الله أسرارَهُ، وأفاضَ علينا بِرَّهُ وَبَرَكَتَهُ وَأنوارَهُ ... «إلى غير ذلك مِن شِرْكِيَّاتٍ، وخزعبلاتٍ وإسرائيلِيّاتٍ مخالفةٍ لأسلوبِ دُعاءِ المسلمينَ. إذ لا يستنكِفُ المسلِمُ أن يطلُبَ من الله الرحمةَ سواءٌ كانَ لِنَفسِهِ أو لِغيرِهِ من المؤمنينَ ولو كانَ نبيًّا.