والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وكانوا قد غلطوا في معنى الآية، فظنوا أن قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (البقرة:187) هو الحبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنما هو سواد الليل وبياض النهار] (البخاري 1916) ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات، أو الذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهم بعد أن نسخت (بالأمر بالصلاة إلى الكعبة) ، وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا، وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ.
وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله، هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ؟ على ثلاثة أقوال. في مذهب أحمد وغيره: قيل يثبت، وقيل لا يثبت، وقيل لا يثبت المبتدأ دون الناسخ، والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حنى نبعث رسولًا} (الإسراء:15) وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (النساء:165) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: [ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين] (رواه البخاري 7461) .
فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند، والفاجر، بل جعل الله لكل شيء قدرًا. أ.هـ (الفتاوى 3/282،288) .
49-رابعًا: حكم شهادة أهل البدع.
قال الإمام النووي رحمه الله في روضة الطالبين، وعمدة المفتين:
"في شهادة المبتدع جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة، ولكن اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم ويقولون: ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، ونقل العراقيون عنه تكفير النافين للرؤية والقائلين بخلق القرآن، وتأوله الإمام فقال: ظني أنه ناظر بعضهم، فألزمه الكفر في الحجاج، فقيل إنه كَفَّرَهُمْ".