نعم إن قوما لم يحابوا في حكمهم على الرجال أحدا لا أبا ولا ابنا ولا أخا ولا صديقا ولا شيخا إن ذلك لَعُنوَانُ صدق ديانتهم ونزاهتهم وأمانتهم وعنوان إجلال الحفاظ للسنة النبوية الشريفة وأنها عندهم أغلى من الآباء والأجداد والأولاد والأحفاد فكانوا مضرب المثل في الصدق والتقوى والأمانة.
وهاك أمثلةً على نزاهتهم في حكمهم على الرجال:
1-المُجَرِّحُونَ لآبائهم:
الإمام علي بن المديني سئل عن أبيه فقال:"سلوا عنه غيري"فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال:"هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ".
2-المجرحون لأبنائهم:
الإمام أبو داود السجستاني"صاحب السنن"قال:"ابني عبد الله كذاب". ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة:"إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه".
3-المجرحون لإخوانهم:
زيد بن أبي أنيسة قال:"لا تأخذوا عن أخي يحيى المذكور بالكذب".
4-المجرحون لأصهارهم وأختانهم:
شعبة بن الحجاج قال:"لو حابيت أحدا لحابيت هشام بن حسان كان خَتَنِي، ولم يكن يحفظ".
5-المجرحون لبعض أقاربهم:
أبو عروبة الحراني:"قال الذهبي في ترجمة الحسين بن أبي السري العسقلاني:"قال أبو عروبة: هو خال أمي، وهو كذاب"."
6-ومن الذين لم يحابوا مشايخهم:
روى الإمام ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي قال:"اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما فقال: قد رضيت بالأحول يعني: يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة وهو شيخه ومنه تعلم وبه تخرج، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك - أو من له مثل نقدك - يا أحول؟!"
قال ابن أبي حاتم:
هذه غاية المنزلة ليحيى بن سعيد القطان إذ اختاره شيخه شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة شيخه ومعلمه"."