وإن من الواجبات التي تتأكد في هذه الأيام: التوبة الصادقة النصوح. والتوبة واجبة في كل وقت، ومن كل ذنب كما قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ولكنها في مثل هذه المواسم آكد وأوجب، وأرجى أن تُقبل، وأن يوفّق صاحبها للهداية والاستقامة؛ فإنه إذا اجتمع للمسلم توبة نصوح، مع أعمال فاضلة، في أزمنة فاضلة، فهذا عنوان الفلاح بتوفيق الله، قال تعالى: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحًا فعسى أن يكون من المفلحين) وقال سبحانه: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى) .
والتوبة بالنسبة للحاج أوجب عليه من غيره؛ لأن قبول حجّه مشروط بالتوبة الصادقة، وترك الرّفث والفسوق، والنّدم على ما فرّط منه من الذنوب، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها بعد انقضاء موسم الحج، قال الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) .
ومن ترك المعاصي حال حجه وهو عازم على معاودتها بعد الحج، فإنه لم يتب توبة صادقة، ولم يترك الرفث والفسوق على الحقيقة، بل لا يزال متصفًا بالفسق؛ لأنه لم يتب حقيقة من الذنب، فلا يعدّ حجّه مبرورًا، ولا يحصل له تكفير جميع الذنوب في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"متفق عليه.
ومن فضل الله تعالى على الحاج أنه يجتمع له فضل الزمان، وفضل المكان، وفضل الحال. فينبغي أن يكون ذلك دافعًا له إلى المبادرة إلى التوبة الصادقة من جميع الذنوب، واستثمار هذه الفضائل العظيمة في استباق الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنة عرضها الأرض والسماوات.
ومما يُشرع في هذه الأيام: الصيام، فيسنّ للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصومها، فقد ثبت من حديث حفصة -رضي الله عنها- قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر".