الصفحة 4 من 10

وقد دلّت الأحاديث السابقة على أن العمل الصالح في عشر ذي الحجة أحب إلى الله، وأفضل عنده من العمل نفسه لو عُمل في غيرها من الأيام، وأن العبادة فيها أزكى عند الله وأعظم أجرًا من نفس العبادة، لو فُعِلت في غيرها من أيام العام. فإذا تصدّقت بمائة ريال في هذه العشر، فإنه أعظم أجرًا وأحب إلى الله من التصدّق بهذه المائة في شهر شعبان أو شوال، أو غيرها، وإذا صلّيت ركعتين في هذه العشر فإنهما أحب إلى الله من ركعتين مثلهما تصليهما في غير هذه العشر. وعلى ذلك فقس بقية الأعمال.

بل دلّت هذه الأحاديث على أن العمل فيها، وإن كان مفضولًا، فإنه أعظم أجرًا، وأزكى عند الله، وأحبّ إليه من العمل في غيرها، وإن كان فاضلًا، ولا أدل على ذلك من كون العمل فيها أعظم من الجهاد في سبيل الله الذي يتضمن قطف الرؤوس، وإزهاق النفوس، وتقطيع الأعضاء، وإسالة الدماء، والذي هو من أفضل الأعمال، وذروة سنام الإسلام. فالعمل في هذه العشر أفضل من سائر الأعمال في غيرها، وأفضل من أنواع الجهاد كلها إلا النوع الذي استثناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله:"إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء".

وإذا كان الأمر كذلك، وعلمت أيها المسلم أن الله يحب العمل في هذه الأيام ويباركه ويزكيه، فحرِيّ بك أن تجتهد في هذه الأيام، وتحرص على اغتنام كل لحظة من لحظاتها، وأن تعمّرها بأنواع الطاعات والقّربات التي تزيدك قربًا من ربك، وتكون سببًا لسعادتك ونجاتك في دنياك وآخرتك، فإن الأيام مراحل الآجاب، ومخازن الأعمال، وليس لك أيها الإنسان من عمرك إلا ما قضيته في طاعة ربك، واستودعته عملًا صالحًا تجده أحوج ما تكون إليه، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت