أمَّا (البَشَر) فهو من (البَشَرَة) ، وهي: ظاهر الجِلْد، وَعُبِّر عن الإنسان بالبَشَر اعتبارًا بظهور جِلْدِهِ من الشَّعْر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشَّعْر أو الوَبَر. وبهذا المعنى، خُصَّ في القرآن كلّ مَوْضعٍ اعتُبرَ من الإنسانِ ظاهرُهُ وجُثتُهُ بلفظ البَشَر، نحو قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} (الفرقان: 54) ، وقوله: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} (ص: 71) [1] . وذَكَرَ أبو هلال العسكريّ (400هـ) أنَّهُ مشتق من (البَشَارَة) ، وهي: حُسْنُ الهيئة؛ يقال: رَجُلٍ بشير، وامرأة بشيرة، للتعبير عن حُسْنِ الهيئة، فسُمي الناسُ بَشَرًا لأنّهم أحسنُ الحيوان هيئةً [2] .
وفي مقابل اختصاص لفظ (البَشَر) في القرآن بما يُعَبِّر عن الجُثَّةِ، ذَكَرَ بعضُهُم أنَّ لفظ (الإنسان) اختصّ في القرآن بما يُشَارُ إليه بالعقلِ والتكليف، نحو قوله تعالى: {عَلَّمَ الاِّنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العَلَق: 5) ، و: {وَأَن لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم: 39) ، و: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: 72) ، وهذا الاستعمال القرآنيّ الخاصّ أغرى بترجيحِ اشتقاق (الإنْسان) من (النِّسيان) الذي لا يكون إلاّ بعد العِلْم، والعِلْم يقترن بالعقل والتكليف [3] .
ح. الفرق بين: (البُرّ) ، و (الحِنْطَة) ، و (القَمْح) :-
قال القرافيّ: «قال المنكرون للترادف: القمحُ والبُرُّ والحنطة متباينة لا مترادفة، والقمح: اسمُ صفةٍ مِن قولِهِ تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} (يس: 8) ، وهذه الحَبَّةُ يحصل فيها تَعَبٌ في حَرْثِها وحَصَادِها ودراسِها وغير ذلك، فسمِّيت قمحًا لذلك. والبُرُّ من البِرّ، لأنّها قوام بنية الإنسان. والحنطة: اسم الذات.» [4] .
(1) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 124.
(2) ينظر: الفروق اللّغويّة: 309.
(3) ينظر: أُطروحة دقائق الفروق اللّغويّة في البيان القرآني: 95.
(4) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في إثبات الترادف) : 2/ 719 - 721.