يُقال: بل نعمتاه مبسوطتان. لأن النعم لا تُغل [1] . و رده هذا هو رد علمي مُفحم ينسف ما زعمه هؤلاء المؤولون نسفا.
و خامسا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي أن أهل الحديث انتقدوهم في أنهم يُقدمون ما يُسمونه معقولات على كتاب الله و سنة رسوله، و ما كان عليه الصحابة و التابعون. و أنهم يتبعون الأقوال الشاذة التي توافق هواهم و يتركون الآثار الصحيحة التي تخالف مزاعمهم [2] . فمن ذلك أن الدارمي ذكر عنهم أنهم احتجوا في إنكار رؤية الله تعالى، برأي للمفسر مجاهد يرى فيه أن معنى قوله تعالى: (( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) )-سورة القيامة/22 - 23 - ، هو أن الوجوه تنتظر ثواب ربها؛ فردّ عليهم الدارمي بقوله: نعم تنتظر ثواب ربها، و لا ثواب أعظم من النظر إلى وجهه تبارك و تعالى )) [3] . و جوابه هذا رد صحيح، مع أن الآية صريحة بأن الوجوه النضرة ناظرة إلى ربها، و ليست أنها تنتظر الثواب منه. ثم نبّه الدارمي إلى أن تمسك الجهمية بما رُوي عن مجاهد، و إهمالهم لما رُوي عن غيره من الآثار، هو علامة الشذوذ عن الحق و اتباع للباطل. ثم قال أنه حتى و لو صحّ ما احتجوا به عن مجاهد، فهو مدحوض بما هو ثابت من الآثار عن الرسول-عليه الصلاة و السلام- و صحابته و تابعيهم. ثم ذكّرهم أنهم كانوا قد زعموا أنهم لا يقبلون الآثار المروية عن السلف، ثم هم الآن يحتجون بأثر عن مجاهد وجدوا فيه سبيلا موصلا إلى باطلهم، و تركوا آثارا أخرى تعارض ما ذهبوا إليه!، ثم قال لهم: كيف ألزمتم أنفسكم باتباع المُشتبه من آثار مجاهد، و تركتم الصحيح الصريح من الآثار التي تُناقض ما تمسّكتم به؟!، فاتباعكم للأقوال الشاذة دليل على ابتداعكم [4] .
و سادسا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي، أنهم -أي المتكلمون- يحتجون بالقرآن الكريم دون استقصاء لآياته و لا فهما صحيحا له. فمن ذلك أن الجهمية - في زعمهم أن القرآن مخلوق- قالوا: إن كل مجعول مخلوق، و القرآن مجعول فهو إذن مخلوق، بدليل قوله تعالى: (( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) )-سورة الزخرف/1 - ، فردّ عليهم الإمام احمد بأنهم يُلحدون في هذه الآية، و يبتغون الفتنة من تأويلها؛ و بيّن أن كلمة جعل وردت في القرآن بالنسبة للمخلوقين على وجهين، في الأول معناها التسمية، و في الثاني معناها الفعل من أفعال المخلوقين، ثم ضرب لذلك أمثلة عديدة، فمن النوع الأول قوله تعالى: (( الذين جعلوا القرآن عِضين ) )-سورة الحجرات/91 - ، أي أنهم سموا القرآن شعرا و أساطير. و كذلك قوله تعالى: (( و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) )-سورة الزخرف/19 - ، أي أنهم
(1) نفسه، ص: 67 - 68.
(2) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 127، 128.
(3) نفسه، ص: 128.
(4) نفسه، ص: 128، 129.