فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 16

إنَّه العدل الذي ينبغي أن نأخذ أنفسنا به، ونتمنى بهِ أن يُجري الله الحقَّ على ألسنتنا وألسنة خصومنا، وكم هو عظيمٌ الإمامُ الشافعيُّ- رحمه الله- حين قال: ["ما ناظرت أحدًا إلاَّ قلتُ: اللهمّ أجرِ الحقّ على قلبه ولسانه، فإن كان الحقُّ معي اتبعني، وإن كان الحقُّ معه اتبعته"] (1) .

وأين هذا يا مسلمون ممن يتمنون انحراف خصومهم، أو يرمون مخالفيهم بالباطل، ويتهمونهم وينفّرون الناس منهم وهم مسلمون، بل قد يكونون علماء، وقد يكون ما معهم من الحق أكثر من خصومهم، فإلى الله المشتكى، وكم يتلاعبُ الشيطان أحيانًا ببعض المحبين، وكم يخطئُ هؤلاء وينسفون قواعد العدل وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، وكم نظلم أنفسنا ونظلم غيرنا بتصنيف هذا، وتجريح ذاك، واتهام ثالث وإشعال معارك وهمية بين نفرٍ من المسلمين، الكاسبُ الأول والأخير منها هم الأعداء المتربِّصون والخاسر الأكبر هم المعتدون الفاقدون للعدل والإنصاف.

وإن كانت الخسارة تعمُّ والفتنة تقع على المسلمين! وأين نحنُ من هذا الموقف البديع والعدلِ حتى مع غير المسلمين يقدمه لنا شيخُ الإسلام ابن تيمية بسلوكه العمليِّ، فهو حين سعى بإطلاق سراح أسرى المسلمين من التتار أصرَّ كذلك على إطلاق سراح المأسورين من أهل الذمة قائلًا لمسؤول التتر:"بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَتنا،فإنا نفكُّهم ولا ندعُ أسيرًا لا من أهل الملَّة ولا من أهل الذمة" (2) .

فإذا أنصفَ هذا العالمُ الربّاني وعدلَ مع غير المسلمين، وكان سببًا لفكّ أسرهم، فماذا يقولُ من يسعى للوقيعة بإخوانه المسلمين ويتمنّى الضُّرَّ لهم بشكلٍ أو بآخر؟

إن من قواعد الائتلاف إنصاف عامة المسلمين وخاصتهم.. فكيف السبيلُ لهذا الإنصاف؟

(1) عن فقه الائتلاف ص104.

(2) حياة شيخ الإسلام، محمد بهجت البيطار ص15، عن الرسالة القبرصية، فقه الائتلاف: 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت