فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 16

وهنا أمرٌ مهمٌ إذ لا بدَّ من التفكير بجديةٍ في واقعِ الجيلِ الصاعد حيال فقه التوافق والاختلاف، حتى لا تتكرر الأخطاء، ولا نزال بحمد الله نرى نماذجًا لمشروعاتٍ جادة قامت على الاتحاد، فأفلحت في مسيرتها، وجنت ثمارَ زرعها.

ولا بدَّ في هذا الصدد من تأملِ هدي القرآن والسنة في الأمر بالعدل مع الصديق والعدو، ومن قراءةٍ متأنيةٍ في السيرةِ النبويةِ وتراجمِ السلف، وهدي العلماء في الائتلاف.

إن العدل سمةٌ مميزةٌ لشريعتنا، عاش في كنفها البرُّ والفاجرُ، والمسلمُ والكافرُ، كل هؤلاءِ بالعدل يُحكمون ولا يُظلمون، حتى وإن أبغضنا الكافر فنحنُ مأمورون بالعدل معه، ذلك توجيهُ ربنا في كتابه العزيز: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) (المائدة: من الآية8) .

قال ابن تيمية- رحمه الله-: وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغضٌ مأمورٌ به، فإذا كان البغضُ الذي أمرَ اللهُ به قد نُهيَ صاحبهُ أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغضِ مسلمٍ بتأويلٍ وشبهةٍ أو بهوى نفس ؟ فهو أحقُّ أن لا يُظلم، بل يُعدل عليه (1) .

لقد فاق المسلمون في تاريخنا المجيد غيرهم في العدل، وتجاوزوا بعدلهم أهل الملة من المسلمين إلى أهل الذمة من اليهود والنصارى.

ويُذكر أنَّ عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- كتب إلى واليهِ على البصرة يقول له: ["ثم انظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كَبُرت سِنُّه، وضعفت قوته وولّت عنه المكاسبُ، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحهُ وذلك أنَّهُ بلغني أنَّ أميرَ المؤمنين عمرَ- رضي الله عنه- مرّ بشيخٍ من أهلِ الذمةِ يسألُ على أبوابِ الناسِ فقال: ما أنصفناك إن كنَّا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيّعناك في كِبرك، ثم أجري من بيتِ المال ما يصلحه" (2) .

(1) منهاج السنة: 5/127.

(2) أحكام أهل الذمة لابن القيم، تحقيق صبحي الصالح 1/38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت