"وأحسب أن موسم الحج يُعد أُنموذجًا لحياة السلام التي يجب أن تعيشها البشرية مهما كثُرت أعدادها وتباينت اتجاهاتها ؛ فانظر إلى تحريم حمل السلاح في الحج حيث جعل البيت مثابةً للناس وأمنًا . وحرَّم صيد البر كله على المُحرم ، وحتى حصى الرمي لزم أن يكون صغيرًا في حجمه يُرمى بأصابع اليد دون شحذٍ وقوةٍ ومُبالغةٍ ... ، وحتى في الأقوال حرَّم الجدال مخافة أن يستفحل الأمر ويجُر إلى الأذى والخصومة والشجار" (5)
وفي ذلك كله دروسٌ تربويةٌٌ عظيمةٌ تُشير في مجموعها إلى أن تشريعات وشعائر وآداب الحج تُمثل نظامًا تربويًا سلميًا يُفترض أن يتربى عليه أبناء الأمة المسلمة ، وأن تظهر آثاره وتطبيقاته في كل شأن من شؤون حياتهم ، وكل جزئيةٍ من جزئياتها .
(7) تعظيم الله سبحانه وإقامة ذكره جل في عُلاه تحقيقًا لقوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومات } ( سورة الحج: الآية رقم 28 ) . وقوله تعالى: { واذكروا الله في أيامٍ معدودات } ( سورة البقرة: الآية رقم 203 ) .
والمعنى أن جميع شعائر الحج ومناسكه لا تخرج في مجموعها عن كونها إقامةً لذكر الله تعالى ، وهو ما يؤكده الحديث النبوي الشريف الذي ثبت عن أُم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنما جُعل رمي الجِمار ، والسعيُ بين الصفا والمروة ، لإقامة ذكر الله" ( رواه الترمذي ، الحديث رقم 902 ، ص 218 ) .
وهكذا يمكن القول: إن كل مناسك الحج وشعائره المختلفة لا تخرج عن كونها ذكرًا لله عز وجل سواءً كانت قوليةً أو عمليةً .
وبعد ؛ فهذه بعض منافع الحج العظمى التي تجعل من هذه العبادة العظيمة زاخرةً بالكثير من المعاني والمضامين والدروس التربوية التي علينا جميعًا أن نستلهمها ، وأن نحرص على الإفادة منها ، وأن نسعى لتأكيد معانيها السامية ، وتطبيقها في واقع حياتنا . والله الهادي إلى سبيل الرشاد .