لكن لا يفهم أحد أن الأكل على الخوان مكروه ، بل الحديثان دلا على أن أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان الأكل على الأرض ، لتواضعه صلى الله عليه وسلم ، مع أنه حيزت له الأرض بحذافيرها ، فتركها ورغب فيما عند الله تعالى ، وجاء عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قدم له ضب على خوان فلم يأكل منه ، لأنه عافه فلم يرغب فيه ، لو كان غير الضب لأكله ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ، وَعِنْدَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى ، إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خُوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ ، فَكَفَّ يَدَهُ ، وَقَالَ:"هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ"، وَقَالَ لَهُمْ:"كُلُوا ، فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْمَرْأَةُ ، وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ:"لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ ، إِلَّا شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فدل الحديث كما هو واضح على جواز الأكل على الخوان ، وعدم الكراهية في ذلك ، لكن الأفضل بلا شك هو أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الأكل على الأرض ."
فالأكل على الأرض من فعل العرب ، وعلى الخوان فعل الملوك ، وعلى المنديل فعل العجم ، والسنة من ذلك الأكل على الأرض ، وهو فعل الناس حتى هذا اليوم ، ممن تتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن تمسك بعروبته ولم يتنصل من أصله .