و قد اهتم علماء الإسلام - قديما و حديثا - بموضوع الزكاة، و أحاطوه بعناية فائقة، و تكلموا بإسهاب و بإيجاز، على الأموال التي تجب فيها الزكاة، و بينوا أنصبتها، و المقادير التي يجب إخراجها، و الجهات التي تصرف إليها، فشغل فقه الزكاة حيزًا كبيرًا في كتب الفقه و كتب الفتاوي و النوازل.
إلا أن الحياة المعاصرة، كشفت عن أوضاع مالية و اقتصادية جديدة لا نجد في التراث الفقهي القديم، ما يتجاوب معها، و يعطي أجوبة مناسبة لما تطرحه من أسئلة، و يضع حلولا ناجعة لما يترتب عليها من مشاكل، خاصة في موضوع الزكاة.
و من هذه الأوضاع الجديدة دخل الموظفين و أصحاب المهن الحرة كالأطباء
و المحامين و المهندسين، فكيف يزكي الموظفون رواتبهم؟ و كيف يزكي أصحاب المهن الحرة الأموال التي يستفيدونها من جراء عملهم و أتعابهم.
إن هذه الأسئلة، و ما يدور في فلكها، بقيت عالقة تنتظر الأجوبة الكافية
الشافية، و بقاؤها عالقة، يسبب للمعنيين بها الكثير من الحرج و العنت و الحيرة.
و لا ننكر أن الشيخ الفاضل، الدكتور يوسف القرضاوي، تصدى لهذا
الموضوع، في كتابه النفيس"فقه الزكاة"و قدم فيه اجتهادا جيدا، يدل على إطلاعه الواسع، و إدراكه لمقاصد الشريعة و مكارمها، و ما قدمه جدير بأن يقرأ
و ينتفع به، لكن صاحب المحاولة الجادة الأولى، في مثل هذا الموضوع الشائك،
لا يمكنه - و إن بلغ في العلم ما بلغ - أن يعطي الكلمة الأخيرة، و القول
الفصل، فلا بد من محاولات و اجتهادات و وجهات نظر متعددة، ليختمر الموضوع بما فيه الكفاية، و يهتدى فيه - عن طريق التراكم المبني على النقاش و الحوار - إلى الأحكام الفقهية السليمة الموثوق بها.
و رغبة مني في وضع هذا الموضوع الهام على مشرحة البحث، و طرحه للنقاش ليتصدى له ذوو الاختصاص المتمكنون، حاولت في هذا البحث المتواضع - رغم قلة بضاعتي - أن أبدي وجهة نظري، و أعرض ما اطمأنت إليه نفسي، و ارتاح إليه ضميري، و بدا لي أكثر انسجاما مع قواعد فقه الزكاة، و مبادئه العامة، و أرحم بالفقراء و بالأغنياء في الوقت نفسه، و أرفع للحرج، و أنسب للعصر، و أيسر
في التطبيق.