الأصل في دعوة الإسلام الجهر والعلن وذلك لأنها دعوة لعموم الخلق، لقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [35] ، ولقوله تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [36] ، ولقوله تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [37] .
فهذه النصوص الآمرة بالبلاغ تدل على وجوب الجهر بالدعوة لعموم الناس نظرا لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) رواه البخاري عن جابر، وقال تعالى {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [38] ، وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها { [39] قال: (نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة) .
قال ابن حجر رحمه الله: ("مختف بمكة"؛ يعني في أول الإسلام) [40] .
وفي تفسير قوله تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين قال ابن كثير رحمه الله: (وقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي مختفيا حتى نزلت فاصدع بما تؤمر} ) اهـ [41] .
إلا أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه بدأت سرية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخفي أمره ولا يدعو إلا خاصته، حتى أذن الله له أن يجهر بها، وهذا وإن كان موجها بالوحي إلا أنه إذا علمت علة التخفي فإنه يمكننا القياس على ذلك، والعلة كانت القلة والاستضعاف، فحيث وجدا في دعوة فلها التخفي حتى يشتد عودها.
وهذه العلة تجدها فيما ذكره ابن كثير في السيرة؛ عندما ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: (يا أبا بكر إنا قليل) وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ...
إلى أن قال ابن كثير: إن عمر أسلم بعد ذلك، فقال: (يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟) ، قال: (يا عمر إنا قليل وقد رأيت ما لقينا) ، فقال عمر: (والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفار إلا أظهرت فيه الإيمان) ...
إلى قول ابن كثير رحمه الله: (وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال:"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما النبي؟ قال: رسول الله، قلت: أالله أرسلك؟ قال: نعم ...") [42] .
وقال ابن كثير أيضا: (قال ابن إسحاق: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر وأن يصبر على أذى المشركين، قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أُهريق في الإسلام) اهـ [43] .
فهذا يبين كيف بدأت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم سرية رغم أن الأصل فيها هو الجهر والعلن، وذلك بسبب الضعف الشديد في أول الأمر، وكذلك أتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان لهم أن يأخذوا بهديه في الإسرار والإعلان حسب القوة والقدرة والاستطاعة.
[35] سورة المائدة، الآية: 67.
[36] سورة النساء، الآية: 165.
[37] سورة الحجر، الآية: 94.
[38] سورة سبأ، الآية: 28.
[39] سورة الإسراء، الآية: 110.
[40] فتح الباري، ج 8/ 405.
[41] تفسير ابن كثير ج 2/ 959. ط دار المعرفة.
[42] البداية والنهاية لابن كثير، ج 3/ 31.
[43] البداية والنهاية، ج 3/ 37.