"بلغنى عن بعض الكرماء أن رجلا سأله فقال: أنا الذى أحسنت إلى يوم كذا وكذا، فقال: مرحبا بمن يتوسل إلينا بنا، ثم قضى حاجته...! فأخذت من ذلك إشارة فناجيت بها ربى فقلت: أنت الذى هديته من زمن الطفولة، وحفظته من الضلال!، وعصمته من كثير من الذنوب. وألهمته طلب العلم لا بفهم لشرف العلم ـ لموضع الصغر ـ ولا بحب والده ـ لموت الوالد. ورزقته فهما لتفقهه وتصنيفه، وهيأت له أسباب جمعه. وقمت برزقه من غير تعب منه، ولا ذل للخلق بالسؤال، وحاميت عنه الأعداء، فلم يقصده جبار إلا انهزم، وجمعت له ما لم تجمع لأكثر الخلق من فنون العلم التى لا تكاد تجتمع في شخص، وأضفت إليها تعلق القلب بمعرفتك ومحبتك وحسن العبارة ولطفها في الدلالة عليك. ووضعت له في القلوب القبول، حتى إن الخلق يقبلون عليه ويقبلون ما يقوله، ولا يشكون فيه، ويشتاقون إلى كلامه، ولا يدركهم الملل منه، وصنته بالعزلة عن مخالطة من لا يصلح، وآنسته في خلوته بالعلم تارة وبمناجاتك أخرى. وإن ذهبتُ أعدُّ لم أقدر على إحصاء عُشير العشر (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) . فيا محسنا إلى قبل أن أطلب، لا تخيب أملى فيك وأنا أطلب. فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك". ويقول ابن الجوزى رضى الله عنه:"نازعتنى نفسى إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لى التأويلات وتدفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة. فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبى، وأقبلت على القراءة، وكان درسى قد بلغ سورة يوسف فافتتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبى حتى لا أدرى ما أقرأ، فلما بلغت إلى قوله تعالى: (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) ، انتبهت لها وكأنى خوطبت بها. فأفقت من تلك السكرة، فقلت يا نفس أفهمت؟. هذا حر بيع ظلما فراعى حق من أحسن إليه، وسماه مالكا، وإن لم يكن له 193"