وهذا بالفعل ما حقّقه الإسلام. يقول"جاك ريسلر": «على الرغم من تنوّع الأعراق والشعوب المكوّنة"للإسلام"في العصر الأمويّ، القرن السابع والقرن الثامن، كان المسلمون قد بدؤوا يتميّزون بمزايا مشتركة، وكانوا يتصرّفون تقريبًا بالطريقة ذاتها على الرغم ممّا كان يمكنه أن يفرّق بين الحضر والبدو، بين الأغنياء والفقراء. ذاك أنّ عقيدة واحدة مترسّخة بقوة، كانت تثير ردود فعل واحدة لدى كائنات مختلفة. كانت روحيّة القرآن تنظّم السلوك اليوميّ، وتشيع جواًّ حيويًّا، وتتوصّل من خلال تغلغلها في الأفكار إلى توحيد شكلّ العقليّات والطبائع» (1) .
لم يحصل الانتشار الهائل للحضارة الإسلاميّة وانصهار الشعوب بها نتيجة الغزو العسكريّ بحدِّ ذاته، كما أنّه لم يتمّ بحدِّ السيف. وشتّان بين الانتشار العسكريّ البحت الّذي يستهدف غزو الأراضي والبلاد وبين الانتشار الحضاريّ الّذي يستهدف غزو القلوب والعقول والضمائر. فإذا كان الأوّل سلاحه السيف والرمح، فإنّ الثاني لا يتأتّى إلاّ بالفكر والحوار والدعوة والمحاجّة.
إنّ الّذي أدّى إلى هذا الانقلاب الحضاريّ عوامل عدّة يمكن تلخيصها بما يلي:
-أوامر الإسلام.
-واختلاط المسلمين الفاتحين بشعوب البلاد المفتوحة.
ودخول أهل البلاد بجملتهم في الإسلام. (2)
(1) - الحضارة العربيّة - ص57
(2) - أحمد أمين - فجر الإسلام - دار الكتاب العربيّ، بيروت - الطبعة الحاديّة عشرة 1979 -ص85