فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 301

وذلك بخلاف سائر المجتمعات المحيطة بالجزيرة العربيّة الّتي تجذّرت فيها الحضارات القديمة كالرومانيّة والفارسيّة والهنديّة والصينيّة، والّتي سادت فيها أديان النصرانيّة والمجوسيّة والغنوصيّة وغيرها. فإنّها كانت مجتمعات مثقّفة متمدّنة، ازدحمت في أذهانها الأفكار والمعلومات الّتي أغدقتها الفلسفات والأديان والنظم والحضارات والثقافات والمعارف العديدة. وكانت حياتها تتّسم بالتعقيد بما فيها من مدنيّة وعمران ووسائل ماديّة، ممّا جعل أذهان الناس فيها مشوّشة تتّسم بالتعقيد والتكلّف. فلمّا اخترقت بعضُ أديان هؤلاء الجزيرةَ العربيّة حملت معها ذلك التكلّف وامتزجت بالفلسفات والثقافات الّتي يعسر على العربيّ مضغها وهضمها، فلم يستسغها وركن إلى اللقمة السائغة الّتي ورثها عن آبائه وأجداده. وعلى حدّ تعبير"عليّ سامي النشّار"، «جاءتهم المسيحيّة من الشمال ومن الجنوب، ومشيخة العرب من أولاد إسماعيل يهزّون رؤوسهم ولا يبدون حراكًا. وأسرعت اليهوديّة إليهم وهي تحمل التوراة المحرّفة، فأنكروها ووقفوا ينظرون إليها بازدراء. بل ولّوا ظهورهم لجماعة منهم أعلنوا أنهّم"الحنفاء"على ملّة إبراهيم حنيفًا، مختتنين، متّخذين الوحدانيّة دينًا لهم . ولكنّ مشيخة العرب نأوا في فردوسهم الساكن، وفي لياليهم الصافية في قلب الصحراء عن كلّ هذا. كان يكفيهم أن يعبدوا الأصنام زلفى إلى الله، الّذي عجزت الأديان المختلفة عن أن تردّهم إليه، وأن يكون حظّهم من الفكر فلتات من اللسان أو خطرات من الحكمة، وأن يسودهم من القانون العرف والتقاليد، وأن يعرفوا من قانون الأخلاق ما وجدوه في سنّة الآباء، وألاّ يُصيخوا السمع إلى قادم أو دخيل» (1) .

(1) - علي سامي النشار - نشأة الفكر الفلسفي -دار المعارف ، القاهرة - الطبعة السابعة 1977 - ج1 - ص 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت