والثاني: أن الوسيلة قد تكون لمفسدة وقد تكون لمصلحة، بخلاف الذريعة فإنها لاتطلق إلا على ما كان ذريعة إلى مفسدة.
ولهذا فإن من الأهمية بمكان أن ينظر المجتهد أو المفتي إلى عواقب فتواه، فقد يكون الأمر في طاهره مصلحة لكن يترتب عليه مفاسد قيكون محرمًا، سدًا للذريعة.
وهذا أصل عظيم من أصول الدين وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تسعة وتسعين دليلًا في كتابه أعلام الموقعين على أن قاعد سد الذرائع معتبرة في الشريعة، وسنورد بعض ما تمس إليه الحاجة من تلك الأمثلة.
يقول رحمه الله:
[الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان جائزا في نفسه]
الدلالة على المنع من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين - مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم - لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.
الوجه الثاني: قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.
الوجه الثالث: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} الآية - أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة لندورها وقلة الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة.
الوجه الرابع: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم ; فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السب، ويقصدون فاعلا من الرعونة، فنهى المسلمون عن قولها ; سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.