الصفحة 23 من 282

وقد قلنا: إن لله سبحانه في كل موجود نعمة، حتى إن الآلام قد تكون نعمة في حق المتألم، وقد تكون نعمة في حق غيره، كألم الكفار في النار في الآخرة، فإنه نعمة في حق أهل الجنة، إذ لو لم يعذب قوم، ما عرف المتنعمون قدر نعيمهم، وإنما يتضاعف فرح أهل الجنة إذا ذكروا ألم أهل النار، ألا ترى أن أهل الدنيا لا يشتد فرحهم بنور الشمس، مع شدة حاجتهم إليها مع أنها عامة ومبذولة، ولا بالنظر إلى زينة السماء، وهى أحسن من كل نبت، لأنها عامة، فلذلك لم يشعروا بها، ولم يفرحوا بسببها، فإذا صح قولنا: إن الله تعالى لم يخلق شيئًا إلا وفيه حكمة ونعمة، إما على جميع العباد، أو على بعضهم، ففى خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضًا، إما على المبتلى، أو على غيره، فيجتمع على العبد وظيفة الشكر والصبر في كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، ولا نعمة مطلقة، فإن الإنسان قد يفرح بالشيء الواحد من وجه، ويغتم به من وجه آخر، فيكون الصبر من حيث الاغتمام، والشكر من حيث الفرح.

واعلم: أن في كل فقر، ومرض، وخوف، وبلاء في الدنيا، خمسة أشياء ينبغي أن يفرح العاقل بها، ويشكر عليها:

أحدها: أن كل مصيبة ومرض يتصور أن يكون عليها أكثر منها، لأن مقدورات الله تعالى لا تتناهى، فلو أضعفها الله عز وجل على العبد، فما كان يمنعه؟ فليشكر إذ لم يكن أعظم.

الثاني: أن المصيبة لم تكن في الدين.

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علىّ فيه أربع

نعم، إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه.

قال رجل لسهل بن عبد الله: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك، ماذا كنت تصنع؟ ومن استحق أن يضربك مائة سوط، فاقتصر على عشرة فهو مسحق للشكر.

الثالث: أن ما من عقوبة إلا كان يتصور أن تؤخره إلى الآخرة، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخفف، ومصيبة الآخرة دائمة، وإن لم تدم، فلا سبيل إلى تخفيفها، ومن عجلت عقوبته في الدنيا لم يعاقب ثانيًا، كذا ورد في الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم.

وفى"صحيح مسلم":"إن كل ما يصاب به المسلم يكون كفارة له، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها".

الرابع: أن هذه المصيبة كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من وصولها إليه، فقد وصلت واستراح منها، فهي نعمة.

الخامس: أن ثوابها أكثر منها، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة، كما يكون المنع من أسباب اللعب نعمة في حق الصبى، فإنه لو خلى واللعب، لكان يمنعه، ذلك من العلم والأدب، فكان يخسر طول عمره، وكذلك المال والأهل والأقارب والأعضاء، قد تكون سببًا لهلاكه، فالملحدون غدًا يتمنون أن لو كانوا مجانين وصبيانًا، ولم يتصرفوا بعقولهم في دين الله تعالى، فما من شئ من هذه الأسباب يوجد من العبد، إلا ويتصور أن يكون له في ذلك خبرة دينية، فعليه أن يحسن الظن بالله عز وجل، ويقدر الخيرة فيما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، فإن حكمة الله تعالى واسعة، وهو أعلم بمصالح العباد منهم، وغدًا يشكره العباد على البلاء إذا رأوا ثوابه، كما يشكر الصبي بعد البلوغ أستاذه وأباه على ضربه وتأديبه، إذ رأى ثمرة ما استفاد من التأديب.

والبلاء تأديب من الله تعالى، ولطفه بعباده أتم وأوفى من عناية الآباء بالأولاد.

وفى الحديث:"لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت