الصفحة 24 من 226

وأما ما ذكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت: إنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة، ولو قال هذا من قاله لكان كافرًا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو كذب، فإن البيت لا يعبده المسلمون، ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به، والصلاة إليه، وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا خلا منه، كلام باطل عليها.

وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره في هذا المعني، فلأي مزية يطاف به ويصلى إليه ويحج دون غيره من البيوت؟

وقول القائل: ما ولج الله فيه كلام صحيح. وأما قوله: ما خلا منه فإن أراد أن ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى، فهو باطل وهو مناقض لقوله: ما ولج فيه، وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه، فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب ألا يكون للبيت مزية على غيره من البيوت إذ الموجودات كلها عندهم كذلك.

/ وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج:

سبحان من أظهر ناسوته ** سر سنا لاهوته الثاقب

حتى بدا في خلقه ظاهرا ** في صورة الآكل والشارب

فهذه قد بين بها الحلول الخاص ـ كما تقول النصارى في المسيح ـ وكان أبو عبد الله ابن خفيف الشيرازي ـ قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج ـ يذب عنه، فلما أنشد هذين البيتين قال: لعن الله من قال هذا.

وقوله: وله:

عقد الخلائق في الإله عقائدا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

فهذا البيت يعرف لابن عربي، فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به، فإضافته إلى الحلاج صحيحة، وهو كلام متناقض باطل.

فإن الجمع بين النقيضين في الاعتقاد في غاية الفساد. والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما.

وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل، وإنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين، وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول، ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة.

/ ومعلوم أن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أعظم من الأولىء، والأنبياء جاؤوا بما تعجز العقول عن معرفته، ولم يجيؤوا بما تعلم العقول بطلانه، فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول صحيحة، وأن الجمع بين النقيضين صحيح، وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول صحيح.

ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام، يتخيلون في نفوسهم أمورًا يتخيلونها ويتوهمونها، فيظنونها ثابتة في الخارج، وإنما هي من خيالاتهم، والخيال الباطل يتصور فيه ما لا حقيقة له.

ولهذا يقولون: أرض الحقيقة هي أرض الخيال، كما يقول ذلك ابن عربي وغيره، ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض، وكان من شيوخهم.

وأما قوله:

بيني وبينك إني تزاحمني ** فارفع بحقك إنيي من البين

فإن هذا الكلام يفسر بمعانٍ ثلاثة، يقوله الملحد، ويقوله الزنديق، ويقوله الصديق.

فالأول: مراده به طلب رفع ثبوت إنيته حتى يقال: إن وجوده هو وجود الحق، وإنيته هي إنية الحق، فلا يقال: إنه غير الله ولا سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت