ثم ما زال أولاده يفعلون ذلك بالصنم كل ليلة وهو يخرجه كل صباح فلما ضاق بالأمر ذرعًا راح إليه قبل منامه وقال: ويحك يا مناف إن العنز لتمنع أُسْتَها ..
ثم علق في رأس الصنم سيفًا وقال: ادفع عدوك عن نفسك ..
فلما جَنَّ الليلُ حمل الفتيةُ الصنم وربطوه بكلب ميت وألقوه في بئر يجتمع فيها النتن .. فلما أصبح الشيخ بحث عن مناف فلما رآه على هذا الحال في البئر قال:
ورب يبول الثعلبان برأسه لقد خاب من بالت عليه الثعالب
ثم دخل في دين الله .. وما زال يسابق الصالحين في ميادين الدين ..
وانظر إليه .. لما أراد المسلمون الخروج إلى معركة بدر .. منعه أبناؤه لكبر سنه .. وشدة عرجه ..
فلما كانت غزوة أحُد .. أراد عمرو الخروج للجهاد .. فمنعوه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. يدافع عبرته .. ويقول: ( يا رسول الله إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك إلى الجهاد .. قال: إن الله قد عذرك ..
فقال .. يا رسول الله .. والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ..
فأذن له صلى الله عليه وسلم بالخروج .. فلما وصلوا إلى ساحة القتال .. انطلق يضرب بسيفه جيش الظلام .. ويقاتل عباد الأصنام .. حتى كثرت عليه السيوف فقتل ..
فدفنه النبي عليه الصلاة والسلام .. وبعد ست وأربعين سنة .. نزل بمقبرة شهداء أحد .. سيل شديد .. غطّى أرض القبور ..
فسارع المسلمون إلى نقل رُفات الشهداء .. فلما حفروا عن قبر عمرو بن الجموح .. فإذا هو كأنه نائم .. لم تأكل الأرض من جسده شيئًا ..
فتأمل كيف ختم الله له بالخير لما رجع إلى الحق لما تبين له ..
بل انظر كيف أظهر الله كرامته في الدنيا قبل الآخرة .. لما حقق لا إله إلا الله ..
هذه الكلمة التي قامت بها الارض والسموات .. وفطر الله عليها جميع المخلوقات .. وهي سبب دخول الجنة ..
ولأجلها خلقت الجنة والنار .. وانقسم الخلق إلى مؤمنين وكفار .. وأبرار وفجار ..