فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

سقطت طليطلة التي كان يحكمها بنو ذو النون - الذين حكموها في فترة ملوك الطوائف بالأندلس مدة 78سنة - في يد ألفونسو ملك قشتالة النصراني عام 478هـ بمعاونة المعتمد ابن عباد صاحب إشبيلية، بعد أن حكمها المسلمون ثلاثمائة واثنين وسبعين عامًا، وأحدث سقوطها دويًا عنيفًا، واشتدت وطأة النصارى على المسلمين وتوحدت جهود ألفونسو السادس ملك قشتالة الذي كان يحكم جليقية وجزءا ًمن البرتغال، مع سانشو الأول ملك أراجون ونافارا، والكونت برنجار ريموند حاكم برشلونة وأورجل، وساروا بجيش مشترك وحاصروا مدنًا وقلاعًا واحتلوا قرى وأحرقوا أراضي كثيرة، وانتبه ابن عباد لخطئه بمعاونة النصارى فاجتمع مع أمراء الأندلس الآخرين في إشبيلية ثم في قرطبة واتفقوا على أن يرسلوا سفيرًا إلى يوسف بن تاشفين سلطان دولة المرابطين في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا يلتمسون عونه وغوثه.

وجاءت وفود شعبية كثيرة لمدينة مراكش لنفس الغرض، فاستشار ابن تاشفين مجلسه الاستشاري فوافقوا شرط أن يعطيه الأندلسيون الجزيرة الخضراء يجعل فيها أثقاله وأجناده، وتكون حصنًا له، وليكون بها على اتصال بإفريقية.

ومع شدة ضغط ألفونسو على المسلمين في الأندلس دفع الأمراء الجزية له، أو سلموا حصونًا له، وسلم ابن عباد الجزيرة الخضراء للمرابطين، وقال لابنه: (أي بني، والله لا يسمع عني أبدًا أنني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى، فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري) ، وقال: (إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين - لقب المرابطين -، ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج) ، وقال لبعض حاشيته لما خوفوه من ابن تاشفين: (تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعًا لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية، إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير) .

وقبل ابن تاشفين الدعوة، ولما أنهى استعدادته أمر بعبور الجمال، وفي ربيع الأول من عام 479هـ سار ابن تاشفين بجيشه من سبتة، وما كاد السفن تنشر قلاعها حتى هاج البحر فصعد إلى مقدمة السفينة، ورفع يديه نحو السماء، ودعا الله مخلصًا: (اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرا ًوصلاحًا للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه) ، فهدأ البحر، وجازت السفن سراعًا، ولما وصلت إلى شاطئ الأندلس سجد لله شكرًا.

وتسلم ابن تاشفين الجزيرة الخضراء، وأمر بتحصينها أتم تحصين، ورتب بها حامية مختارة لتسهر عليها، وشحنها بالأقوات والذخائر لتكون ملاذًا أمينًا يلتجئ إليه إذا هزم.

ثم غادرها جيشه إلى إشبيلية، وتعهد كل أمير من أمراء الأندلس أن يجمع كل ما في وسعه من الجند والمؤن، وأن يسير إلى مكان محدد في وقت معين، ولبث ابن تاشفين في إشبيلية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت