فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 213

بعد ذلك فتح اللّه على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى الدعوة من حيث لا يحتسب ، فكانت بيعة العقبة الأولى ، ثم بيعة العقبة الثانية. وهما ذواتا صلة قوية بالموضوع الذي نعالجه في مقدمة هذه السورة ، وبالملابسات التي وجدت حول الدعوة في المدينة.

وقصة ذلك في اختصار: أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - التقى قبل الهجرة إلى يثرب بسنتين بجماعة من الخزرج في موسم الحج ، حيث كان يعرض نفسه ودعوته على الوافدين للحج ويطلب حاميا يحميه حتى يبلغ دعوة ربه. وكان سكان يثرب من العرب - الأوس والخزرج - يسمعون من اليهود المقيمين معهم ، أن هنالك نبيا قد أطل زمانه وكانت يهود تستفتح به على العرب ، أي تطلب أن يفتح لهم على يديه ، وأن يكون معهم على كل من عداهم. فلما سمع وفد الخزرج دعوة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال بعضهم لبعض: تعلمنّ واللّه إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه .. وأجابوه لما دعاهم. وقالوا له: إننا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم. فعسى اللّه أن يجمعهم بك .. ولما عادوا إلى قومهم ، وعرضوا الأمر عليهم ، ارتاحوا له ، ووافقوا عليه.

فلما كان العام التالي وافى الموسم جماعة من الأوس والخزرج ، فالتقوا بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وبايعوه على الإسلام. وقد أرسل معهم من يعلمهم أمر دينهم.

وفي الموسم التالي وفد عليه جماعة كبيرة من الأوس والخزرج كذلك ، فطلبوا أن يبايعوه ، وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم. وتسمى هذه البيعة الثانية بيعة العقبة الكبرى .. ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي:

قال عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» . قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة» . قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل! وهكذا أخذوا الأمر بقوة .. ومن ثم فشا الإسلام في المدينة ، حتى لم يبق فيها بيت لم يدخله الإسلام.

وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا ، تاركين وراءهم كل شي ء ، ناجين بعقيدتهم وحدها ، حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ، من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط. ثم هاجر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وصاحبه الصديق. هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا .. وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت