وقد قيض الله لها رجالًا"من أعظم الناس صدقًا وأمانة وديانة، وأوفرهم عقولًا، وأشدهم تحفظًا وتحريًا للصدق، ومجانبة للكذب، وأن أحدًا منهم لا يحابي [1] في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرًا لم يبلغه أحدٌ سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء, وهم شاهدوا شيوخهم على هذا الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ، حتى انتهى الأمر إلى مَن أثنى الله عليهم أحسن الثناء, وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم، واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة" [2] .
ومن أنفق"معظم أوقاته وأيامه مشتغلًا بالحديث، والبحث عن سيرة النقلة والرواة؛ وقف على رسوخهم في هذا العلم، وكبير معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمةٍ واحدةٍ يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نُقل إليهم وأدوا كما أُدِّيَ إليهم، وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن؛ ما يجل عن الوصف، ويقصر دونه الذكر..." [3] .
(1) انظر صورًا من عدم محاباتهم في كتاب (مباحث في علم الجرح والتعديل) لقاسم سعد. ص 149-155.
(2) مختصر الصواعق لابن القيم 2/358, وانظر (حفظ الله السنة وصور من حفظ العلماء لها وتنافسهم عليها) لأحمد السلوم.
(3) الانتصار لأهل الحديث لأبي المظفر السمعاني ت 489هـ، جمع نصوصه: محمد بن حسين الجيزاني ص 41, وقد نقله ابن القيم في مختصر الصواعق 2/409.