والجريدة أمامه.. يأتيه النادل بالقهوة.. تنظر إليه.. تجده يتفحص وجهك.. يصيبك بعض الأسف لأنك انشغلت عن القارب الذي اختفى عن نظرك.. تظل مركزًا نظرك في المكان الذي حسبت أنه كان فيه ولكن بدون جدوى، ثم تلاحظ ظهور باخرة كبيرة في الأفق، تفكر أنها لا بد تكون قادمة من بعيد، وذاهبة إلى بعيد.. تتلهى بمتابعتها.. هي تسير أيضًا في اتجاه القارب.. السماء زرقاء والبحر أزرق، والباخرة وحدها نقطة بيضاء في هذه المساحة اللامتناهية.. يظهر القارب من جديد من وراء الشجرة.. تتابعه ثم تلفت انتباهك مجموعة من طيور النورس تتجه من الشرق إلى الغرب على مسافة قريبة جدًا من الأمواج.. بعد قليل يظهر رجل وامرأة يمسك كل منهما بيد الآخر، ويسيران في بطء شديد بين الموجة والرمل.. يتحدثان في صمت وينظران أمام أقدامهما تمامًا. طيور النورس تحط قريبًا منهما.. المرأة تلبس ثوبًا أحمر فضفاضًا، والرجل بقميص نصف كم أبيض وبنطلون أسود: كان الهواء يلعب بشعرهما المتقارب الطول.. تحس حركة أخرى في داخل المحل.. تلتفت.. ترى رجلًا ثالثًا يجلس إلى طاولة بقرب الباب ويلبس مثل الرجلين، وأمامه الجريدة وعلبة الدخان وعلبة الكبريت.. بعد لحظة يدخل النادل.. يضع أمامه فنجان القهوة ويخرج.. ينظر الرجل إليك.. تشرب رشفة من قهوتك التي بدأت تبرد، وتشعل سيجارة أخرى.