أو ما علم -هداه الله- أنه لم يقدم على نقد أحاديث الصحيحين أو أحدها سوى أئمة نقّاد حفاظ جبال في علم العلل وسبر الروايات والرواة، مع شهادة القاصي والداني لهم بالإمامة في هذا الشأن، ومع براعتهم في النقد ودقتهم لم يتحصل لهم سوى أحاديث معللة يسيرة في الصحيحين، ومع هذا لم يسلّم جماعة من أئمة هذا الشأن لهم ذلك وقالوا بأنّ أكثر الانتقادات فيها ماهو غير مسلم والإيراد عليه غير وارد، وما لا جواب عنه منها نزر يسير لا يعد شيئًا في جنب الآلاف من الأحاديث الصحيحة التي اشتمل عليها"الصحيحان".
وأسوق هاهنا طرفًا من ثناء العلماء على"صحيح مسلم"وبيان مكانته وعظيم عناية الإمام مسلم به وصيانته له، عسى أن يكون هذا رادعًا وزاجرًا للكاتب ومن شاكله!
قال الإمام النووي -رحمه الله-:
(( اتفق العلماء -رحمهم الله- على أنّ أصح الكتب بعد القرآن"الصحيحان"البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول ) ) [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:
(( وَأَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةُ: مِثْلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فَلَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ الْقُرْآن .. ِ ) ) [2] .
وقال أيضًا: (( وَالْبُخَارِيُّ أَحْذَقُ وَأَخْبَرُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنْ مُسْلِمٍ ; وَلِهَذَا لَا يَتَّفِقَانِ عَلَى حَدِيثٍ إلَّا يَكُونُ صَحِيحًا لَا رَيْبَ فِيهِ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ، ثُمَّ يَنْفَرِدُ مُسْلِمٌ فِيهِ بِأَلْفَاظِ يُعْرِضُ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ، وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ
(1) مقدمة"شرح مسلم" (1/ 14) .
(2) "مجموع الفتاوى" (18/ 75) .