فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 188

وأشهر من نجد عنده هذه السمة في العصر الحديث الشاعر محمود حسن إسماعيل- رحمه الله- فمن عناوين قصائده: أحزان الغروب- ثورة الضفادع- الناي الأخضر- لهيب الحرمان- سجينة القصر- أدمع ومآتم- أغاني الرق- عبيد الرياح- جلاد الظلال- حصاد القمر- عاشقة العنكبوت- هدير البرزخ (28) .

3 -الغزالي في تشكيله الشعري اتباعي كلاسيكي فهو ينهج النهج الخليلي في نظام القصيدة: الوزن الواحد والقافية الواحدة، وهو يعتز بهذا"النظام"ويُخلص الولاء له في مغالاة؛ حتى إنه يرى أن الخروج عليه يُخرج الإبداع من وصف الشعرية ليدخله دائرة النثر، ولذلك حمل حملة شعواء على ما سماه"بالشعر المرسل"، فهو- في نظره تقليد أعمى لما يكتبه الغربيون، وهو انسلاخ منكود من النظام الشعري العربي الأصيل الذي أرسى قواعده من قرابة عشرين قرنًا، وهو لا يزيد على كونه تقطعًا عقليًّا في الفكرة المعروضة كأنها أضغاث أحلام، أو خيالات سكران، في ألفاظٍ يختلط هزلها وجدها، وقريبها وغريبها، وتراكيب يقيدها السجع حينًا، وتهرب من قيوده أحيانًا.

فالسمة الغالبة على هذا اللغو لا تتخلف أبدًا: التفكير المشوش، أو اللا تفكير، والتعبير الذي يجمع الألفاظ بالإكراه من هنا ومن هنا، ويحاول وضعها في أماكنها، وتحاول هي الفرار من هذه الأماكن (29) .

ونأخذ على هذا الرأي أنه خلط بين مصطلحات ثلاثة: الشعر المرسل، والشعر الحر، وقصيدة النثر، ومقصد شيخنا الحملة على الشعر الحر لا الشعر المرسل، وهما مختلفان:

فالشعر المرسل: هو الشعر الذي يلتزم بوحدة الوزن مع اختلاف القافية (30) ، ولعبد الرحمن شكري كثير من هذا النوع، ولكنه لا يجد له نصيرًا في الوقت الحاضر.

أما الشعر الحر، أو شعر التفعيلة فهو الشعر الذي لا يلتزم بوحدة الوزن أو وحدة القافية (31) ، فهو متحرر من الوزن الواحد والقافية الواحدة، ولكنه يجعل"التفعيلة"- لا البحر- أساس الوزن. ورائد هذا اللون- في الأدب العربي- بدر شاكر السياب بديوانه"أزهار ذابلة"، أو نازك الملائكة بقصيدتها"الكوليرا"- على خلاف في ذلك.

وما يُسمَّى بقصيدة النثر- وهي ترجمة للمصطلح الفرنسي Poeme en Prose هناك شبه إجماع على صعوبة وضع تعريف جامع مانع لها، وإن كان الرافضون لها- وما أكثرهم- يسجلون عليها ما تحتويه من فوضى وانقلاب وتمرد عشوائي، وتنكر لكل مفاهيم البناء والشكل، وخصوصًا البناء الموسيقى (32) .

وتؤكد"سوزان برنار"أنه يوجد في قصيدة النثر- في آنٍ واحدٍ- قوة فوضوية مدمرة تميل إلى رفض الأشكال الموجودة، وقوة منظمة تميل إلى وحدة شاعرية (33) .

ونحن مع شيخنا الغزالي في رفض الشعر المرسل- بالمفهوم الصحيح الذي عرضناه- مجافاته للذوق العربي، ونحن معه في رفض ما يُسمَّى بقصيدة النثر؛ لأنه لا علاقة بينها وبين الشعر، وللأسباب التي ذكرها الدكتور محمد عبد المطلب آنفًا.. ولكننا نخالفه في تقييمه للشعر الحر- الذي أطلق عليه خطأ الشعر المرسل؛ لأن الشعر الحر لم يتخل عن الوزن، إذ إنه اعتمد على التفعيلة لا البحر، والمطبوعون من الشعراء أبدعوا من هذا الشعر روائع كقصيدة"شنق زهران"لصلاح عبد الصبور، وما زال الشعر الحر يعايش الشعر الخليلي في سلام ووئام.

شاعر الحلول والاستبطان

وشعر الغزالي لا يعطيك مفتاحه من أول قراءة، إذ يحتاج قراءة ثانية، وشيئًا من التأني والمعاناة، وهو يذكرني بكلمة أبي إسحاق الصابي فيما يرويه عنه ابن الأثير:"إن طريق الإحسان في منثور الكلام يُخالف طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه (34) ."

والتصريح، ووضوح الذاتية.. والأوصاف المباشرة يخرج بالعمل الشعري عن نطاق الجمال، ويجعله تقريريًّا (35) .. فهذا الطابع الذي يسم شعر الغزالي يعد ميزة طيبة بمعيار الشاعرية.

وقد وصفْنا الغزالي- بعد معايشتي لشعره- بأنه"شاعر الحلول والاستبطان"، وأعني بالحلول: معايشته موضوعه واندماجه في جوانيته بصرف النظر عن القشور والمظاهر الخارجية، وأعنى بالاستبطان تأمل موضوعه وتعمقه لاستخلاص ما فيه من طروحات وأعطيات نفسية. ولننظر إلى بعض شعره في الطبيعة، فقصيدته في"الشمس" (36) ، نرى فيها الشاعر لا يهتم"ببرَّانية"هذا النجم العظيم، ولكن بما يستخلصه من معطيات النفس ودروس الحياة ومتطلباتها:

أشرقي في الوجود طُهرًا وضيئًا وأنيري السبيل من ظلمات

وأميتي اليأس المعذب موتًا بدّليه تيقظًا من سُباتِ

الوداع الميمون يبدو أصيلًا مائج النور في سنا أمنياتي

في نضار من الأشعة سكرى بحبور يحيى رفات الموات

خير ماضٍ يحفه خير آتٍ يتهادى في ذلك الميقاتِ

وفي مقطوعةٍ مستقلةٍ من أربعةِ أبياتٍ بعنوان (نور الحقيقة) (37) يبلغ الشاعر شأوًا عظيمًا من الاندماج والتأمل، وهو ما سميناه"الحلول والاستبطان"وفيها يقول الشاعر:

أيها النورُ أنت تُلقى وضوحًا لأناسٍ عاشوا بأبشعِ سرِّ

لا يطيقون في الحقيقة عيشًا فضياء الحقيقة الغمرُ يُزري

حشرات في نورها الحقِّ تفنى مثل قتل الشعاع كلَّ مضرّ

ولهذا الظلامُ خيرٌ من النور إذا كنتَ لا ترى وجه حرّ

ومن فضول القول أن نذكر في هذا المقام أن قصائده الأربع في"الخمرة الإلهية" (38) تتمتع بسمة"الحلول والاستبطان"على نطاق رحيب مكين، مما لا يحتاج منا إلى وقفة للإبانة والتوضيح.

ومن أرقى ما نظَّم الشاعر في ديوانه كله، وكذلك بالنظر إلى شعر آخرين من المشاهير قصيدته"تحية عرابي البطل" (39) ، فهو لم ينهج النهج التقليدي في وصفِ الوقائع والأحداث والمواقف، ولكنه اعتمد على الحركة النفسية، وطروحاته الوجدانية في عرابي فاستهل قصيدته بقوله:

حيتكَ من نفسي عواطف ثائر لا يستكين لسطوة من جائرِ

ويثيرها نارًا يهول وقودُها فيبيدُ أو تلقاه أوْبة ظافر

حيتك من نفسي عواطف مخلص لا مأربَ يلهيه شأن الفاجر

للمجد ما يبغي يكلل أمة للنصر ما يسعى قليلُ الناصرِ

ثم يتحدث الشاعر عن شخصية الأمة المجاهدة:

في حب مصرَ وفي سبيل خلودها في حب مصر طليقةَ من آسرِ

نفرت من الوادي الجموع تقودها في وجه عات ذي شكيمةِ قادر

ويستغرق الشاعر أغلب القصيدة في تحية عرابي المهزوم المكسور المقهور، ولكنه انكسار الشريف المجبر الذي كانت الظروف أقوى، وأقدر من كل طاقاته، ويهز الشاعر قلوبنا ووجداننا بالأبيات الآتية:

قُدست مهزومًا تعفر في الثرى قدست مقهورًا كسير الناظرِ

قدست يوم بكيت إذ سقط الحمى لا نصرَ يُرجى لا دفاع مغامر

ثم يتحدث عن غدر الغرب اللئيم ومؤامراته، ويختم قصيدته بالأبيات الآتية:

في الأسر يرسف في قيود مهانةٍ خير النفوس نُهي وطيبُ ضمائر

في الأسر ما أعيا وقد حاطت به ظُلَم الغد الداجي وظلْم الحاضر

حيتك أرواح تكافح لا تني دأبَ الحريص على الجهاد الذاكر

أبدًا هو العمل الحثيث أأثمرت أغراسه أم تلك رُجعي الخاسر

لقد ضم الديوان قصائد طوالًا، وأخرى متوسطة الطول، كما ضم قطعًا قصيرةً جدًا مستقلة بعضها لا يزيد على البيتين وهو ما يُسمَّى شعريًّا"الأبجرام"Epigram، وهي منظومة قصيرة جدًّا تنتهى بفكرة طريفة ذكية (40) .

ونأخذ على الشاعر أنه كثيرًا ما كان يستخدم بعض الألفاظ المعجمية الغريبة على القارئ، وقد أحسن الدكتور الشكعة صنعًا إذ شرح هذه الكلمات في هوامش الديوان، وربما جاءه هذا الغريب غير الشائع من الألفاظ من حبه للشعر القديم، وكثرة محفوظاته منه، كما نأخذ على الشاعر قلق بعض العبارات والكلمات في السياقة الشعرية، ولكن قد يشفع للشاعر أنه نظَّم ديوانه، وهو طالب في المرحلة الثانوية قبل التحاقه بالجامعة الأزهرية.

إن هذا الديوان كان يحتاج إلى وقفاتٍ أطول نستوفى فيها كل العناصر الشعرية فيه من خيال وعاطفة وتعبير وموسيقى.. ولكنى أرى أن المسار قد طال بنا، وقد أعلنا ابتداءً أنها مجرد وقفة نقدية، وهي في نفس الوقت دعوة ضمنية للباحثين، وطلاب الدراسات العليا أن يدرسوا هذه الجوانب الأدبية من أعطيات الرجل- يرحمه الله، ثم من حقنا أن نختم هذه الدراسة الموجزة بطرح سؤال مؤداه: وماذا بقي من الراحل العظيم؟!

وماذا بقي من الراحل العظيم؟!

لقد رحل الشيخ فجأةً بدون وداع، وجاءت كرامة الرحيل- زمانًا ومكانًا- كفاء لكرامة الراحل، فمات في مناسبة لإكرام العلم والعلماء، وهذا هو عنصر الزمن الكريم. ومات في أرضٍ مباركةٍ طيبةٍ، ودُفن بالبقيع، وهذا هو عنصر المكان المبارك العظيم. ثم كانت كرامة الكرامات- بعد وفاته- متمثلة في فوزه بالإجماع الوجداني الشامل حزنًا هزَّ القلوب، وشعورًا بجلال الخطب، وفداحة الفراق.

واستغرق هذا الشعور الإجماعي مشارق الأرض ومغاربها، ليضم الملوك والأمراء، والعلماء والفقهاء، والصغار والكبار، والرجال والنساء، وكل سويٍّ من عباد الله، وعزيز على النفس أن ترى- في عصرنا.. عصر الغربة والكروب- ساحات العلم والفقه والفكر، وقد خلت من محمد الغزالي، وكأنه المقصود بقول أبي تمام:

عادت وفودُ الناس من قبرهِ فارغة الأيدى وملأى القلوب

قد راعها ما رُزئتْ، إنما يُعرف فقدْ الشمسِ عند المغيب

وبعدها يدور السؤال التقليدي: ماذا بقي من محمد الغزالي؟! وإنا لنجيب- بصدقٍ وإيمانٍ ويقين-: بقي منه الفكر الحر المستنير الذي يستقي حقائق الحياة والحق من كتاب الله وسنة رسوله، متقدمًا في الدربِ لا تأخذه في الله لومة لائم.

بقي منه المرونة والسماحة وسعة الأفق ومنطق التسهيل والتيسير والتحبيب، بعيدًا عن التعصب الأعمى، والتشنج المسعور، وبعيدًا عن الغلو والإفراط، والتهاون والتفريط.. بقي منه مائدة طيبة من عشراتِ كتب في الفقه والسنة، والسيرة والسياسة، والنظم والسياسة الشرعية، وآداب النفس والمجتمع، والذود عن الإسلام في مواجهة الإلحاد، والصهيونية والصليبية والإباحية، وهي مائدة لا تنفد ولا تبور، وكل أولئك يُمثل حيثية الخلود الذي لا يعرف الموت، والتجدد الذي لا يعرف البلى، والتفوق الذي لا يعرف النقص والذبول.

سلامٌ على محمد الغزالي، وألحقه الله بمعية النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

الهوامش والتعليقات:

(1) وُلد الغزالي في قرية (نكلا العنب بمحافظة البحيرة في مصر) ، وهذه القرية نفسها ولد فيها الشيخ سليم البشري- شيخ الأزهر- والشيخ محمد عبده، والشيخ محمود شلتوت، ومحمد البهي.

(2) كتاب الغزالي هو (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) ، وقد أثار ضجةً كبيرةً، ودويًا عاليًا، وتعرض لهجومات شديدة ضارية، ولكني أشهد أنَّ من هذه الردود كتابات موضوعية هادئة أشهرها كتاب"حوار هادئ مع محمد الغزالي"، لسليمان بن فهد العودة (الرياض 1409ه) .

(3) يشهد لخالد محمد خالد- رحمه الله- أنه رجع- بعد ذلك ببضع سنين عن كل ما كتب في كتابه (من هنا نبدأ) ، وذلك في كتاب بعنوان"دين ودولة"، وافق فيه كل ما كتبه الغزالي في كتابه (من هنا نعلم) .

(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 1/ 138 (المكتبة التوفيقية- القاهرة 1978م) .

وانظر: جابر قميحة: المدخل إلى القيم الإسلامية، ص 23 (دار الكتاب المصرى، القاهرة 1984م) .

(5) الغزالي: من هنا نعلم، ص 110 (ط 2، دار نهضة مصر- القاهرة 1997م) .

(6) الغزالي: جدد حياتك، ص 24 (دار نهضة مصر- القاهرة 2004م) .

(7) السابق 49، وهو يشير إلى رأي النبي- صلى الله عليه وسلم- في البقاء والتحصن بالمدينة للدفاع عنها، ولكنه نزل على رأي الصحابة في الخروج إلى قتال المشركين، فكانت معركة أحد (انظر سيرة ابن هشام 2/ 63، 105) .

(8) الغزالي: تأملات في الدين والحياة، ص 102 (دار الكتاب العربي- المنياوي: القاهرة 1951م) .

(9) الغزالي: فقه السيرة، ص 151 (دار الكتاب العربي- المنياوي، القاهرة 1952م) .

(10) هو: أبو عثمان ربيعة بن أبى عبد الرحمن فروخ، الملقب بربيعة الرأي، وهو فقيه أهل المدينة، أخذ عنه مالك. كان يُكثر الكلام ويقول:"الساكت بين النائم والأخرس"، ت 36ه.

(11) من هنا نعلم، ص 94.

(12) جدد حياتك، ص 113.

(13) السابق، ص 30، 31.

(14) سيزا قاسم: المفارقة في القصص العربي المعاصر، مجلة فصول، العدد الثاني، المجلد الثاني- القاهرة 1982م.

(15) لويس عوض: الأهرام 7/ 7/ 1972م.

(16) د. علي عشري زايد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص 138 (مكتبة العروبة- الكويت 1981م) .

(17) جدد حياتك: ص 94.

(18) الغزالي: الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، ص 69 (دار الصحوة- القاهرة 1987م) .

(19) السابق: ص 87.

(20) الغزالي: جدد حياتك، ص 134.

(21) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن، ص 5 (دار المعارف- القاهرة 1947م) .

(22) سورة الغاشية: الآيات 1- 16، وانظر سيد قطب: السابق 188.

(23) صدر سنة 1354هـ- 1936م عن المطبعة الإسلامية بالإسكندرية، وكان ثمنه عشرين مليمًا.

(24) دار الشروق بالقاهرة (1426هـ- 2005م) .

(25) ديوان الحياة الأولى 81 (مع ملاحظة أن هذه الصفحة هي أول صفحة في الديوان، أما ما قبلها فقد استغرقته الدراسة التي كتبها الدكتور مصطفى الشكعة.

(26) مصطفى الشكعة من تقديمه للديوان 43.

(27) انظر: الشكعة، السابق 40، 41.

(28) جابر قميحة: شرائح النثر في شعر الأميري 58 (بحث قدم في الملتقى الثالث للأدب الإسلامي بالمغرب- أغادير، في الأيام 16 - 18 من يناير 2001م) .

(29) انظر: الغزالي: مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، 102 - 105 (الدوحة- قطر- كتاب الأمة رقم 1) .

(30) مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب 46 (مكتبة لبنان- بيروت 1974م) .

(31) السابق 181.

(32) د. محمد عبد المطلب: النص المشكل 188 (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999م) .

(33) سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا 157 (ترجمة: زهير مجيد- بغداد 1393هـ) .

(34) ابن الأثير: المثل السائر 1/92 (مكتبة الخانجي- القاهرة 1979م) .

(35) د. محمد غنيمي هلال: قضايا معاصرة في الأدب والنقد 60 (دار نهضة مصر- القاهرة، د.ت) .

(36) ديوان: الحياة الأولى 144.

(37) السابق 116.

(38) الديوان 83 - 90.

(39) الديوان 157.

(40) مجدي وهبة: مرجع سابق 142.

الشيخ محمد الغزالي.. الفكر السامق والحركة الدائبة

الشيخ محمد الغزالي

تمر بنا هذه الأيام الذكرى العاشرة لوفاة رجل عزيز على أنفسنا حبيب إلى قلوبنا، فقدت الدعوة الإسلامية المعاصرة بموته عَلمًا من أعلامها، وكوكبًا من كواكب الهداية في سمائها؛ لأنه عاش حياته لخدمة الإسلام ومات وهو يدافع عن قضايا الإسلام، إنه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي- عليه رحمة الله ورضوانه-.

لقد شقَّ قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد على نصف قرن، فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصَّيِّب والكلم الطيب، وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عنده، فأصغى لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب، وأخرجت المطابع هذا الكلم الرفيع كتبًا ورسائل ومقالات دبجها يراع داعيتنا الكبير تُزوِّد جيل العودة إلى الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلى طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته.

عُرف الشيخ بنصحه للمسلمين وترشيده لمسار الدعوة إلى الله عز وجل، وأطلق العنان للدعاة يوم كان مسئولًا عن الدعوة في وزارةِ الأوقاف، وله جولاته في مقاومةِ الزحف الأحمر والمد التنصيري، وقد جأر في وجه التيار العلماني الذي حاول سلخ الأمة من عقيدتها وشخصيتها المتميزة، ووقف مع الأزهر ذائدًا عن حماه، عاملًا على إحياء رسالته.

طوف العالم الإسلامي الواسع فعمل بالمملكة العربية السعودية بجامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى سبع سنوات، ودافع عن السعودية وعن مؤسسيها، ولكن بعد مغادرته لها حتى لا يُتَّهم، وأبان للعالم أنها دولة دعوة، وعمل في قطر، فساهم في بناء كلية الشريعة هناك، وفي الكويت كانت له لقاءات دورية أفاد بها كثيرًا من المسلمين وعرفته المؤتمرات في أوروبا وأمريكا وفي مشرقنا الإسلامي العريض، كما ذهب إلى الجزائر ليعمل مديرًا لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة والتي بدأها بكلية واحدة في حين أنها الآن تضم كليات تنتظم الجزائر كلها.

لقد كرس حياته كلها في خدمة الدعوة الإسلامية، والجهاد من أجل إعادة الهوية العربية والإسلامية لكثير من شعوب العالم، على رأسها مصر والجزائر، قضى ما يزيد على شطر حياته الأول في محاربة الاستبداد السياسي، وبيان مكائد الاستعمار، والتحدي للتيار العلماني والزحف الأحمر، وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم في القرآن والسنة، وتوضيح معالم الإسلام، وإرساء قواعد الدعوة إلى الله تعالى، بينما كان شطر حياته الثاني مركَّزًا في محاربة الفهم المغلوط للإسلام، والإنكار الشديد على العقول السقيمة والفكر السطحي والفقه البدوي الذي يصطلي بشُواظٍ من نارٍ أُفْعم بها قلب الشيخ وقلمه ولسانه.

كان- رحمه الله- لا يستريح للعقول المعتلة، ويضيق ذرعًا بالآفاق الضيقة، فمن أقواله:"الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء، وقد انتمت إلى الإسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطى قد يحسبها البعض أُممًا حيةً ولكنها مغمى عليها.. والحياة الإسلامية تقوم على فكرٍ ناضرٍ.. إذ الغباء في ديننا معصية".

ويحتد كثيرًا- ولا ينبغي أن تهدم الحدة ما بنته الفطنة- على الطباع الغليظة الجافة، والقلوب المتكبرة القاسية، ومن أقواله:"أكره أصحاب الغلظة والشراسة، لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلى سلعةٍ عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلًا بالدعوة، إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء".

وقال أيضًا:"إذا لم يكن الدين خلقًا دمثًا ووجهًا طليقًا وروحًا سمحةً وجوارًا رحبًا وسيرةً جذابةً فما يكون؟! وقبل ذلك إذا لم يكن الدين افتقارًا إلى الله، وانكسارًا في حضوره الدائم، ورجاء في رحمته الواسعة، وتطلعًا إلى أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون؟!".

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت