وتسقط به الفريضة، وتبرأ الذمة، لكن الفاعل يكون آثمًا هو الأولى
-في نظري القاصر -؛ وذلك لأن النفقة ليست شرطًا في صحة الحج
الذي هو أفعال وأقوال مخصوصة.
وأما ما استدل به الفريق الثاني فلا تخلو أدلتهم من ضعفٍ، أو
ردٍ، وأقوى دليلٍ استدلوا به قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن
الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) ( [103] ) .
فقد أجاب عنه بعض العلماء بقوله:"القبول: حصول الثواب على"
الفعل، فالمعنى: ولا يثيب الله من تصدّق بحرامٍ.
فإن قلتَ: الحج بالمال الحرام صحيح، فما الجمع بين ذلك وبين ما
فسّرت به الحديث؟ قلتُ: المنفي في الحديث: القبول، وهو أخص من
الصحة التي هي عبارة عن كون الفعل مُسقطًا للقضاء، ولا يلزم من
نفي الأخص نفي الأعم، فالحج بالمال الحرام صحيح، أي يسقط به
الفرض، وهو غير متقَبَّلٍ أي لا ثواب فيه" ( [104] ) ."
المسألة الثانية: الانتفاع بأموال التطهير في إقامة المساجد
ودور العبادة
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: عدم جواز بناء المساجد من المال الحرام؛ لأن
المساجد لها خصوصية فلا يصح أن تقام أو تُبنى بالمال الحرام؛
لأن المال الحرام مال خبيث فلا يجوز أن يدخل في بناء مساجد الله
وبيوته. وهذا مذهب الحنفية في قولٍ لهم، وقول ابن القاسم من
المالكية ( [105] ) .
ومن أدلة هذا الفريق: أن المال الحرام مال خبيث، لا يصلح أن يدخل
في بناء بيوت الله؛ صيانة لهذه البيوت عن كل خبث، وعن كل مالٍ
حرام ( [106] ) .
القول الثاني: جواز بناء المساجد من المال الحرام إذا لم يُعلم
مالكه، أما إذا كان مالكه معلومًا فيجب رده إلى صاحبه، ولا يجوز
تفويته عليه بدفعه إلى غيره. وهذا مذهب الحنفية في القول الآخر
والشافعية وابن رشد من المالكية ( [107] ) .
قال ابن عابدين:"الدفع إلى الفقير غير قيدٍ، بل مثله فيما يظهر"
لو بنى من الحرام بعينه مسجدًا ونحوه مما يرجو به التقرب؛ لأن
العلة رجاء الثواب في ما فيه العقاب، ولا يكون ذلك إلا باعتقاد
حله" ( [108] ) ."
ومن أدلتهم: أن المال الحرام الذي يُدفع إلى الفقير لا يكون في