والله سبحانه وتعالى يذكر دائمًا احتجاج المشركين بالقدر، ثم يرد عليهم، وينكر عليهم، مثل قوله تعالى: (( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء - هذا احتجاج من المشركين بعموم مشيئة الله - إلى قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ) ). (سورة الأنعام، الآيتان: 148، 149) . فأخبر بأن له الحجة، ولو شاء لهداهم.
ويقول تعالى في آية أخرى: (( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) ). (سورة الشعراء، الآية: 40) .فهو سبحانه وتعالى لو شاء لهداهم، ولكن اقتضت حكمته أن يكون في هذا الخلق سعيد وشقي، وفاجر وتقي، وكافر ومسلم، ومشرك وموحد، وعابد وغير عابد، اقتضت ذلك حكمة الله سبحانه وتعالى، واقتضى أمره وحكمته أن جعل الناس قسمين:
1.قسم خلقهم للجنة، فبعملها يعملون!
2.وقسم خلقهم للنار، فبعملها يعملون!
3.ومكن كلًا منهم، وأعطاهم إرادة، وأعطاهم قدرة يزاولون بها أعمالهم، وتلك القدرة وتلك الإرادة هي التي يثابون أو يعاقبون عليها!
4.ومع ذلك فإنهم كلهم تحت مشيئة الله، ولهم مشيئتهم، ولكنها مرتبطة بمشيئة الله، يقول الله تعالى: (( لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) ). (سورة التكوير، الآيتان: 28، 29) . يعني أن لكم مشيئة على الاستقامة، ومع ذلك فإن مشيئتكم مرتبطة بمشيئة الله.
5.وقال تعالى: (( فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) ). (سورة المدثر، الآيتان: 55، 56) .
6.وقال تعالى: (( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) ). (سورة الإنسان، الآيتان: 29، 30) .
7.فالله أثبت للعباد مشيئة، ولكنها مغلوبة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وله الحكمة في ذلك، وبمشيئة هؤلاء العباد الذين مكنهم وأعطاهم إياها، يثابون ويعاقبون عليها.
8.فعلى كل حال نقول لهؤلاء الذين يقولون: (سبق الكتاب) ، (وكتب الكتاب) !! ونحو ذلك.
9.نقول لهم: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة ) ). فقال رجل من القوم: ألا نتكل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: (( فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى ) ). (سورة الليل، الآيات: 5 - 10) . )) . (أخرجه البخاري برقم6605) ، (ومسلم برقم2647) (من حديث علي رضي الله عنه وقد سمعه في البقيع) .