الصفحة 6 من 72

فكلَّما أمعنْتَ النظرَ وأطلتَ التدبُّر وجدتَ نفسَك أمام معنى جديدٍ ، غير الذي سبق إِلى فهمك أولَ مرَّةٍ ، وكذلك حتى ترى للجملةِ الواحدةِ أو للكلمةِ الواحدةِ وجوهًا عدة ، كُلُّهَا يحتملُها النصُّ وتستوعبُهَا العبارةُ القرآنيةُ ، كأنما هي دُرَّةٌ يتيمةٌ تُبهِر الأبصارَ كلَّما نظرتَ إليها من أيِّ ناحيةٍ وجدتَ حسنًا وجمالًا ، وروعةً وبهاءً ، ولمعةً وضياءً ، أو كروضةٍ غَنَّاء في واحةٍ فيحاء قدْ هبَّتْ نسائمُها ، فتمايلَتْ أغصانُها ، وتضَوَّعَتْ رياحينُها ، وغرَّدتْ أطيارُها ، وتبسمتْ أزهارُها ، وتضاحكتْ جداولُها ، وتفتَّقتْ ثمارُها ، وَأينعَتْ قِطافُها: إنها رياضُ القرآن الكريمِ ، وواحةُ الذِّكر ، وحديقةُ الفرقانِ التي أبدع أميرُ الشعراء حين وصفها في بيتين ما أروعَهُما:

وحديقةُ الفرقانِ ضاحكةُ الرُّبَا بالتُّرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنَّاءُ

والوحيُ يقْطُرُ سَلْسَلا من سَلْسَلٍ واللَّوْحُ والقلمُ البديعُ رَوَاءُ

غيرَ أننا لن نلقِي في بحثنا بالًا بتعيين المبهماتِ التي سكت عنها القرآنُ في حديثِه عن هذه الغزوةِ ، فلو كان في تعيينهم فائدةٌ لبيَّنهم القرآنُ الكريمُ أو عرَّفت بهم السنةُ النبويةُ ، ولعلَّ من بين أولئك المنافقينَ من تاب إلى الله تعالى توبةً نصوحًا ، بعد أن حاورهم القرآنُ الكريمُ بهذا الأسلوب المقنِع وعاتبَهم ذلك العتابَ الذي لو وُجِّه إلى صَخرٍ لتصدَّعَ حياءً ورهبةً ، ورِقَّةً وخشيةً .

والقرآن الكريمُ بوجهٍ عامٍ إنَّما يُعْنَى في عرضهِ للأحداثِ باستخلاصِ العبرِ والعِظَاتِ ، وتربيةِ الأفراد والجماعاتِ ، وتقويمِ السلوك المعوَجِّ ، وتشخيصِ الداء ، ووصفِ الدواءِ ، وهدايةِ الحائرينَ ، وإرشادِ السالكينَ ، وبيان عواملِ النصرِ ومُقوِّماتِ التمكينِ .

مع الآياتِ الكريمة

التي نزلت في شأن الغزوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت