واستمرت صلتنا على أحسن حال بشيخنا السيد عبد الوهاب حتى أنشئت جمعيات الإخوان المسلمين وانتشرت، وكان له فيها رأي ولنا فيها رأي، وانحاز كل إلى رأيه، ولا زلنا نحفظ للسيد - جزاه الله عنا خيرا - أجل ما يحفظ مريد محب مخلص لشيخ عالم عامل تقي، نصح فأخلص النصيحة وأرشد فأحسن الإرشاد.
رأي في التصوف
ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر - حول التصوف والطرق في تاريخ الدعوة الإسلامية - تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق في المعاني الاصطلاحية فإنما س مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتوارد في الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حين اتسع عمران الدولة الإسلامية في صدر القرن الأول، وكثرت فتوحاتها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان، وحببت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خلفيتهم بعد ذك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه. وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد يسره من متاع الآخرة الباقي: "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة - الإمام الواعظ الجليل - الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.
وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.