ويذكرني حديث المقبرة بما كان لأخينا في الله الشيخ محمد أبو شوشة التاجر بالمحمودية علينا من فضل في التربية الروحية، إذ كان يجمعنا عشرة أو نحوها ويذهب بنا إلى المقبرة حيث نزور القبور ونجلس بمسجد الشيخ النجيلى نقرأ الوظيفة ثم يقص علينا من حكايات الصالحين وأحوالهم ما يرقق القلوب ويسيل العبرات، ثم يعرض علينا القبور المفتوحة ويذكرنا بمصرنا إليها، وظلمة القبر ووحشته ويبكى فنبكي معه، ثم نجدد التوبة في خشوع وحرارة واستحضار عجيب وندم وعزم، ثم كثيرا ما كان يربط لكل واحد منا حول معصمه سوارا من الخيط الغليظ" الدوبارة" ليكون ذكرى التوبة، ويوصينا بأن أحدنا إذا حدثته نفسه بالمعصية أو غلبه الشيطان فليمسك بهذا السوار، وليتذكر أنه تاب إلى الله وعاهده على طاعته وترك معصيته، وكنا نستفيد من هذه النصيحة كثيرًا وجزاه الله عنا خيرا.
وظللت معلق القلب بالشيخ - رحمه الله - حتى التحقت بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور وفيها مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذي لم يكن تم حينذاك، وتم بعد ذلك، فكنت مواظبا على الحضرة في مسجد التوبة في كل ليلة وسألت عن مقدِّم الإخوان فعرفت أنه الرجل الصالح التقي الشيخ بسيوني العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لي بأخذ العهد عليه ففعل، ووعدني بأنه سيقدمني للسيد عبد الوهاب عند حضوره، ولم أكن إلى هذا الوقت قد بايعت أحدا في الطريق بيعة رسمية وإنما كنت محبا وفق اصطلاحهم.
وحضر السيد عبد الوهاب - نفع الله به - إلى دمنهور وأخطرني الإخوان بذلك فكنت شديد الفرح بهذا النبأ، وذهبت إلى الوالد الشيخ بسيوني ورجوته أن يقدمني للشيخ ففعل، وكان ذلك عقب صلاة العصر من يوم 4 رمضان سنة 1341 الهجرية وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان يوافق يوم الأحد حيث تلقيت الحصافية الشاذلية عنه وأدبني بأدوارها ووظائفها.