فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 272

ولقد ذهبت مثلا وأطلقت على هذا الزميل اسمًا فكنا كثيرًا ما نناديه إذا أردنا أن نغيظه" يا غارة الله". وإنما كان الأستاذ يوصي صاحب الكراسة بأن يكتب بنفسه ما يمليه عليه لأنه رحمه الله كان كفيفًا ولكن في بصيرته نور كثير عن المبصرين" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" ولعلى أدركت منذ تلك اللحظة وإن لم أشعر بهذا الإدراك - أثر التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ، فلقد كنا نحب أستاذنا حبًا جمًا رغم ما كان يكلفنا من مرهقات الأعمال. ولعلي أفدت منه رحمه الله مع تلك العاطفة الروحية حب الإطلاع وكثرة القراءة إذ كثيرًا ما كان يصطحبني إلى مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له وأقرأ عليه ما يحتاج إليه من مسائل، وكثيرًا ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش وأنا أسمع. وهكذا يكون لهذا الاتصال المباشر بين الأستاذ والتلميذ أجمل الآثار. وحبذا لو قدر ذلك المعلمون والمربون واعتمدوا عليه وعنوا به ففيه إن شاء الله الخير الكثير. وفي هذه المدرسة المباركة مرت فترة من فترات العمر بين الثامنة إلى الثانية عشرة.

إلى المدرسة الإعدادية

ولقد شغل أستاذنا بعد ذلك عن مدرسته، وعهد بها إلى غيره من العرفاء الذين ليس لهم مثل روحه المشرق وعلمه الواسع وأدبه الجم وخلقه الجذاب، فلم يرق لهذا الناشئ الذي تذوق حلاوة هذه الخلال أن يصبر على صحبتهم، رغم أنه لما يتم القرآن حفظًا بعد، ولم يحقق رغبة والده الملحة في أن يراه حافظا لكتاب الله، فهو لما يتجاوز بعد سورة الإسراء ابتداء من البقرة - وهو نصف الختمة تقريبًا - وعلى حين فجأة صارح والده في تصميم عجيب أنه لم يعد يطيق أن يستمر بهذه الكتاتيب وأنه لا بد له من الذهاب إلى المدرسة الإعدادية. والمدرسة الإعدادية حينذاك على غرار المدرسة الابتدائية اليوم بحذف اللغة الأجنبية وإضافة بعض مواد القوانين العقارية والمالية وطرف من فلاحة البساتين، مع التوسع نوعًا في دراسة علوم اللغة الوطنية والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت