فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 92

ولهذا جاء في الكتاب والسنة تشبيه الوحي بالمطر، وتشبيه النفس القابلة للهدى بالأرض الطيبة، وأخص من ذلك تشبيه القلب الخاشع بالأرض الحية، والقلب الغافل بالأرض الميتة، قال الله جل شأنه:"ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون".

ثم عقب بقوله:"اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون".

قال ابن كثير في تفسيره: فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها...

وفي البخاري (77) ومسلم (4232) وأحمد (18752) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماءً ولاتنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .

فيتحصل من هذا المعنى أن الاعتدال يقوم على ركنين:

الأول: الاتباع الصادق لما جاء عن الله ورسوله، وتحكيم الوحي في كل شاردة وواردة، وصغيرة وكبيرة.

الثاني: قابلية المحل لذلك، بكون المرء مستعدًا لذلك في تكوينه وجبلته.

فالوحي هو النور، والمحل القابل لذلك هو كالمشكاة التي ينبعث منها النور، ولذا قال الله سبحانه وتعالى:"مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..."على أحد الوجوه في تفسير الآية الكريمة (انظر: ابن كثير 3/290) .

والوحي هو المطر، والمحل القابل هو الأرض الطيبة المستعدة كما في النصوص الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت