أهم مقصد له هو أن يطبب قلوب المسلمين ويرققها، أو بمعنى آخر هو التربية الروحية والسلوك إلى الله كما هو منهج صوفية العلماء أو الربانيين من أهل العلم، فأمن أتباعه من سيوف الأمراء والسلاطين، كما أمنوا من ألسنة الناقدين، ومشى خلفائه من بعده على منهجه فاقتصروا على بناء الزوايا وعلى مجاهدة الوثنيين الأفارقة في بلاد السودان والصليبيين الغازين للقارة الإفريقية فكثر أتباعهم ومواليهم، وتحول مركز نشاطهم إلى القطر الليبيّ حيث كان لهم ثمَّ مع الصليبيين الإيطاليين فيما بعد أيامٌ دموية وتاريخ مشرِّف، وأما عن الزوايا التي أنشئوها فلا تحصى عددًا، كان للحجاز نصيب منها، ولمصر نصيب، وللشمال الإفريقيّ وبلاد السودان نصيب الأسد منها، وكان مهمة الزوايا إضافة إلى التربية والتعليم، تهيئة المتعلمين للدعوة والجهاد، وحل الخصومات والمنازعات وتهذيب البدو وتمدينهم وتهيئتهم للمشاركة بفاعلية في الوظائف الملقاة على عواتقهم كغيرهم من المسلمين، واستطاعوا أن يبنوا الزوايا في بادية الحجاز مع كونها مخوفة [1] ، وكان أسلوب الحركة السنوسية في الدعوة والإصلاح أشبه ما يكون بنظام الطلائع في الحركة الكشفية.
كما امتاز هذان القرنان ببروز بعض الثوار وبعض السياسيين الداعين إلى التجديد السياسيّ والتغيير الأيدلوجي للدويلات الإسلامية لعل من أبرزهم محمد علي باشا الألبانيّ في القطر المصريّ .. ، كما كانت في وقت متأخر، أي بعد وفاة المؤلف ثورة الشريف حسين بن علي على العثمانيين وهو ما يعرف بالثورة العربية الكبرى. [2]
أمَّا الشيخ حامد الماردينيّ مؤلف هذه الرسالة فقد كان له باع كبير في الإصلاح في الأناضول، ولكن لم يكن أسلوب منهجه يعني بالتدخل في السياسة، وإنما كان أكثر اهتمامه بدعوة المسلمين إلى العودة لمدارسة العلم الشرعيّ، وبأداء الواجبات
(1) انظر على سبيل المثال كتاب"تاريخ الحركة السنوسية في إفريقيا"للدكتور عليّ محمد الصلابيّ.
(2) تاريخ العرب الحديث (340) تاريخ مصر.