وهكذا يذكرنا الله بأنه أرسل الرياح، وأرسل الرسل، وجعل في كل حياة، وجعل في الرياح بشرى، والرسل جاءوا مبشرين، والماء الذى تسوقه الرياح يحيى موات الأرض، والرسل يحيون موات القلوب، وينصر الله المؤمنين، فإذا جاء رمضان شهر القرآن: جمع للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعده بين العطائين: القرآن عطاء الهداية، والصدقة والإنفاق عطاء المال، فيحيى به الله موات القلوب، وموات الأبدان، ويؤلف القلوب على الإسلام. يقول ابن حجر: يعنى: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع، وبجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه عرض القرآن: في حديث فاطمة عليها السلام: (أسر إلى النبى صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة، وأنه عارضنى العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلى) .
وفى حديث أبى هريرة: كان يعرض على النبى صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذى قبض فيه. وكان يعتكف في كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذى قبض فيه.
ومن ذلك تفهم أن الله قد أحكم كتابه إحكامًا، فلم تنته حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى عارضه بالقرآن ودراسه القرآن، فكان القرآن بسوره، فواصله، وترتيبه، وتلاوته، كله وحى من عند الله سبحانه، نصًا، وتلاوة، وترتيبًا، وقد حضر العرض الأخير زيد بن ثابت، وقيل: إن ابن مسعود حضرها كذلك فلله الحمد نزل القرآن، وحفظه، فحفظ به الأمة، فدين في عنق الأمة مدارسة القرآن، وأن تكون أكثر المدارسة له في شهر رمضان.