وإليك هذه القِصّةً التي تدل على صحة هذا القول، وأنه قد يُحال بين المرء وبين قلبه.
هذه القصة لرجلٍ كان من ملوك النصارى فأسلم. وهو جبلة بن الأيهم.
أسلم في أيامِ عمر، وحج معه فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجلٌ من بني فزارة، فانحلّ إزارُه فرفع جبلةُ يده فهشم أنف الفزاري، فاستعدى عليه عمر، فاستحضره عمر فاعترف، ثم طلبه للقصاص فاستنكف واستكبر، وسأل عمرَ أن يمهله ليلته تلك، فلما ادْلَهَمّ الليل ركب في قومه ومن أطاعه وسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم وراجع دينه دين السوء، أي أنه ارتد عن دين الله.
ولما بدا له أن يعود حِيْلَ بينه وبين ما أراد، فكان مما قال:
تنصَّرتْ الأشرافُ من عارِ لطمةٍ وما كان فيها لو صبرتُ لها ضررْ
تكنّفني فيها اللجاجُ ونخوةٌ وبِعْتُ بها العينَ الصحيحةَ بالعَوَرْ
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعتُ إلى القول الذي قاله عمرْ
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ وكنتُ أسيرًا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ أجلس قومي ذاهب السمع والبصر
هذه القصة ذكرها المؤرخون، أمثال ابن الجوزي وابن عساكر وابن كثير وغيرُهم.
هذه إجمالًا واختصارًا أسباب الهداية.
وبضدِّها تظهر الأشياء، فأذكر موانع الهداية كما ذكرها ابن القيم باختصار:
السبب الأول: ضعف معرفته بهذه النعمة، وأنه لم يقدرها قدرها.
وانظر - رعاك الله - بعين بصيرتك إلى حال أكثر الناس، الذين ربما بلغوا شأنا عظيمًا في أمور الدنيا، وهم يُقيمون على الشرك والضلالة، ويصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)
السبب الثاني: عدم الأهلية ... فإذا كان القلب قاسيا حجريا لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه كما لا تُنبت الأرض الصلبة ولو أصابها كل مطر وبُذر فيها كل بذر، فإذا كان القلب قاسيا غليظا جافيا لا يعمل فيه العلم شيئا وكذلك إذا كان مريضا مهينا مائيا لا صلابة فيه ولا قوة ولا عزيمة
لم يؤثر فيه العلم.