الصفحة 63 من 113

فلا يظن الإنسان أن هذا العلم من باب الترف أو من التزيد ، وإنما هو دينه الذي سوف يلقى الله تعالى عليه ويتقرب إلى الله أخذًا بما فيه ، فلا بد أن ينظر عمن يأخذ هذا الدين .

وإن الإنسان إذا أراد شيئًا من متاع الدنيا يسأل عنه القريب والبعيد والقاصي والداني حتى يتوصل إلى أفضل شيء في هذا المطلوب ، فكيف بدينه الذي هو رأس ماله والذي هو أساس حياته الدنيوية والأخروية .

وقال طاووس: إن كان صاحبك مليًا فخذ عنه ، أي: لا تأخذ عمن قلَّ علمه ولم يكن من الممحصين المتقنين ، وإنما لا بد أن تأخذ عن الملي ، وهو الممتلئ علمًا الذي ضبط ما يقول وأتقنه فهذا الذي تأخذ عنه الدين .

وكان أبو الزناد يقول: ( أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمونون ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال: ليس من أهله ) .

وهذه مسألة دقيقة وهي: أنه ليس معنى أن لا نأخذ الحديث من فلان أو لا تأخذ الرواية من فلان أنه إنسان مطعون في دينه أو مشكوك في صدقه وفي خلقه فهذا غير مراد ، وإنما الرواية تؤخذ من الحافظ الضابط بغض النظر عن مسألة كونه صاحب تدين وزهد وعبادة ، بل لا بد من حصول الأمرين:

الحفظ والاتقان ، وكذلك الدين . أما الدين فقط فلا يكفي في قبول الرواية من صاحبها

وهذه مسألة كما قلت مهمة ، فإن بعض أهل العلم على دينه وصلاحه كان من أوهى الناس في الرواية ، وبعضهم كان قد برَّزَ في جانب معين من العلوم ؛ ومع ذلك فلا يقبل روايته في الحديث .

وأضرب مثالًا على ذلك: الإمام حفص بن سليمان ، الإمام القارئ الذي أخذت الأمة قراءته وانتشرت قراءته في بلاد المسلمين منذ زمن طويل ، فحفص بن سليمان مع أنه من أتقن الناس لقراءة القرآن إلا أنه من المتروكين في الحديث لأنه انشغل بفنه الذي هو فيه عن ضبط الروايات التي وردت عن رسول الله ( فدخل عليه الخطأ والوهم وأصبح لا يضبط هذه الروايات ، ولأجل ذلك تركه أهل العلم ولم يؤثر ذلك على قبول قراءته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت